علي خامنئي (أرشيفية)
علي خامنئي (أرشيفية)
الأربعاء 3 أبريل 2024 / 10:28

"خليفة خامنئي".. الأنظار في إيران تتجه صوب مجلس الخبراء

أجرت إيران مجموعتين من الانتخابات في الأول من مارس (آذار) الماضي، وفي حين انصب التركيز على مجلس النواب المؤلف من 290 عضواً، كانت المنافسة الأهم، التي لم تنَل تغطيةً كافية، تدور أحداثها في مجلس خبراء القيادة، المكون من 88 عضواً، والمكلف باختيار خليفة المرشد الأعلى علي خامنئي.

مع تقدم خامنئي في العمر، يزداد اعتماده على الذين يديرون مكتبه، خاصةً مجتبى

ويهيمن على المجلس، الذي تشكَّل حديثاً، الموالون للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، مما يسمح له بتحديد توجهات الدولة حتى بعد وفاته.


حدَّد النظام نسبة المشاركة في الاستحقاقين بنسبة تقارب 41%، أو نحو 25 مليون ناخب. ورغم أن هذا الرقم يمثل أدنى مستوى، فإن هناك سبباً وجيهاً للتشكيك فيه. في الفترة السابقة للانتخابات، قدَّرَت استطلاعات الرأي التي تقيس الاهتمام بالمشاركة أن نسبة المشاركة تبلغ تقريباً 30% على المستوى الوطني. وفي طهران، قدر تقرير أن النسبة تتراوح بين 6% و9%.
وفي هذا السياق، قال الباحثان المختصان بالشأن الإيراني في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأمريكية سعيد قاسمي نجاد وبهنام بن طالبلو، في مقال مشترك بموقع "ناشونال إنترست": "لا عجب في ذلك، فالإيرانيون يتجنبون المنافسات التي تنظمها الدولة بدقةٍ، ولا تمثِّل الواقع. نزل الإيرانيون إلى الشوارع مدفوعين بمزيج من الغضب ضد رجال الدين في طهران، واللامبالاة تجاه آفاق التغيير عبر صناديق الاقتراع. وتجسد ذلك وسط الاحتجاجات التي اجتاحت الدولة في الفترة بين عامي 2022 و2023، وطالت أكثر من 150 مدينة".

تراجع المشاركة في الانتخابات

وتشير اتجاهات الرأي العام إلى أنه مع تصاعد الاحتجاجات ضد النظام على مدار الخمس سنوات الماضية، تراجعت المشاركة في الانتخابات بشدة. وعندما أجرت إيران آخر انتخابات، سواء لمجلس النواب في عام 2020 أو للرئيس في عام 2021، كانت معدلات المشاركة الرسمية حوالي 43% و49% على التوالي. وشهد كلا السباقين جولات عديدة من المظاهرات بدأت في ديسمبر (كانون الأول) 2017، واستمرت حتى ربيع عام 2020. وعلى النقيض من ذلك، كانت نسبة المشاركة الرسمية في الانتخابات البرلمانية عام 2016 تقارب 62%.

 


وبينما يشجع المسؤولون الإيرانيون على رفع نسبة الإقبال على الانتخابات لإضفاء الشرعية، وتحييد الضغوط الخارجية، يظلّ اختيار مجلس الخبراء حبيس نخبة صغيرة ومتشددة بشكل متزايد. وبدلاً من التودد إلى الناخبين الوطنيين، ركَّز هذا السباق على حشد دعم الناخب الأهم في إيران، ألا وهو علي خامنئي الذي يعدُّ الآن أطول المستبدين المعاصرين خدمةً في الشرق الأوسط، برأي الباحثَين.
لم يكن خامنئي مرشحاً محتملاً لمنصب المرشد الأعلى، ولم يمتلك المؤهلات الدينية ليصبح كذلك عندما توفي آية الله الخميني عام 1989. وأفضَت قدرة خامنئي على الموازنة بين الفصائل الإيرانية المتنازعة، واغتنام كل فرصة لتقويض المجال السياسي المحدود في إيران، إلى جمهورية أقل تمثيلاً للشعب، ولكن أكثر تماسكاً وتشدداً. والنخبة التي أفرزها هذا النظام تُشارك رؤية خامنئي لـ "الجمهورية الثانية"، ولكن في ظل قاعدة شعبية خاصة محدودة أو دون أي قاعدة شعبية.
وتجلى ذلك في انتخابات أخرى للجمعية الخماسية، إذ سمحَ مجلس صيانة الدستور بترشيح 144 مرشحاً فقط لـ 88 مقعداً، مما أسفر عن وجود أقل من مرشحين اثنين لكل مقعد. ونجح 47 عضواً حالياً في الجمعية في استعادة مقاعدهم. وتوفي البعض الآخر بسبب الشيخوخة (أو كوفيد-19)، أو فشلوا في الحصول على عدد كافٍ من الأصوات أو تم إقصاؤهم.

 


ولابد من أن تؤكد مؤسسة رقابية أخرى تدعى مجلس صيانة الدستور طلبات مرشحي المناصب العامة في إيران، وهي تضم 12 شخصاً يُعينهم المرشد الأعلى بأمر مباشر أو غير مباشر. وفي بيئة انتخابية خالية من أي إصلاحيين، ليس من المستغرب أن تظهر مجموعة دينية تعرف باسم جمعية مدرسي حوزة قم العلمية، وهي فصيل متشدد موالٍ للمرشد الأعلى.
ومن بين المستبعدين عن الترشح في المجلس لاختيار المرشد الأعلى التالي، الرئيس السابق حسن روحاني (2013-2021). ففي أواخر العام الماضي، ألمح روحاني علناً إلى النفوذ الذي ستمارسه الجمعية المقبلة، بالنظر إلى عمر خامنئي. ويُعدّ إقصاء روحاني، الذي يراه البعض في الغرب خليفة محتملاً لخامنئي، دليلاً على نهاية استعداد طهران للتودد إلى التكنوقراط.
ومن بين الذين فشلوا في الحفاظ على مقعد في المجلس صادق لاريجاني، رئيس السلطة القضائية السابق. وعُدَّ لاريجاني منافساً رئيساً لخلافة خامنئي، لكنه الآن يواجه تحقيقات قانونية وسياسية. واعتُقِلَ مساعدوه الأساسيون وحُكِم عليهم بالسجن بتهم الفساد، في حملة شنها منافسه وخليفته في القضاء إبراهيم رئيسي. وهزيمتهُ لا تشي وحسب بإهانة شخصية، بل تنذر بنهاية آماله الضعيفة في البقاء ضمن المرشحين لمنصب رئاسة إيران.


مَن سيخلف خامنئي؟


وقال الباحثان: "رغم أن التحليلات المتعلقة بمَن سيخلف خامنئي محض تخمين، هناك اثنان من المرشحين المحتملين يستحقان النظر. أولهما ابن خامنئي، مجتبى خامنئي، والآخر هو الرئيس الحالي لإيران إبراهيم رئيسي. فكلاهما تعرضا لعقوبات أمريكية منذ عام 2019، ويرتديان العمامة السوداء.

 




ونظرياً، يقول الباحثان، تبدو كفة رئيسي أرجح. فقد كان عضواً في مجلس خبراء القيادة، وأعيد انتخابه، وأشرفَ على القضاء الإيراني، وتولى قيادة مؤسسة "آستان قدس رضوي" الخيرية، ويشغل منصب الرئيس منذ عام 2021، ورغم تولي خامنئي منصب المرشد الأعلى عام 1989 بعد فترة ولايته رئيساً، أصبحت الرئاسة منذ ذلك الحين نقطة انطلاق نحو الغموض السياسي أكثر من أي شيء آخر.
وليس مجتبى خامنئي، المتنافس الآخر الذي نُوقِشَ على نطاق واسع، عضواً في الجمعية، ولم يحتل منصباً رسمياً في الحكومة. ومع ذلك، أبرزت تقارير كثيرة تزايد تدخله في شؤون الحكومة على مدى العقدين الماضيين، بما في ذلك إدارة مكتب والده أو "البيت". وحقيقة أن بعض مصادر النظام اضطرت إلى نفي أن مجتبى قد يكون مرشداً أعلى أضفَت مصداقية على النظرية.
ولفت الكاتبان النظر إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية تستوعب أيضاً دور مجتبى خامنئي. فبحسب وزارة الخزانة، يمثل مجتبى "المرشد الأعلى بصفته الرسمية" رغم عدم انتخابه أو تعيينه في أي منصب حكومي رسمي بجانب عمله في مكتب والده. وتؤكد وزارة الخزانة أن "الولي الفقيه قد فوض جزءاً من مسؤولياته القيادية إلى مجتبى خامنئي الذي عمل بشكلٍ وثيق مع قائد فيلق القدس التابع لحرس الثورة الإسلامية، ومع قوات الباسيج، لتعزيز تطلعات والده الإقليمية المُزعزعة للاستقرار، وأهدافه الداخلية القمعية".
وأضافا أن هذه السلطة التي تفتقر إلى أي مُساءلة تتماشى مع نمط حكم خامنئي. ومع تقدم خامنئي في العمر، يزداد اعتماده على الذين يديرون مكتبه، خاصةً مجتبى. وتعكس هذه الديناميكية حالة أحمد الخميني، ابن آية الله الخميني الأب الروحي للجمهورية الإسلامية، الذي تولى دوراً حيوياً في إدارة مكتب والده. فبينما أرسى خامنئي سلطته بترقية الموالين له عبر مجموعة من المؤسسات السياسية والدينية والاقتصادية والعسكرية، حرصَ على إنجاز ذلك بطريقة تُحافظ على معنى لقبه الحرفي كأقوى شخص في إيران.


جهات فاعلة أخرى


ورغم أنه لا شك في وجود قوى خارجية وجهات فاعلة أخرى، تتراوح بين "اللجنة" السرية المزعومة لاختيار المرشد الأعلى التالي بمعزل عن المجلس، ونفوذ وحسابات الحرس الثوري، وحالة الصراع بين الشارع المناوئ للنظام والدولة الجامدة، يظل دور مجلس خبراء القيادة ضرورياً كي تمضي إيران في إدارة عملية الانتقال إلى مستقبلها ما بعد خامنئي.