مقاتل من حماس يعدو حاملاً قاذف آر بي جي (أرشيف)
الأربعاء 23 أكتوبر 2024 / 00:44
رغم إلحاق إسرائيل أضراراً كبيرة بالجناح العسكري لحركة حماس، وتدميرها معظم قطاع غزة، بعد هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، إلا أن نهج الحركة القائم على الكر والفر في نطاق ضيف، يشكل تهديداً متزايداً للقوات الإسرائيلية في شمال القطاع.
ووفق تقرير نشره الكاتبان باتريك كينغسلي وآرون بوكرمان في صحيفة "
نيويورك تايمز"، لقي معظم كبار قادة حماس حتفهم، كما قضي على أعداد كبيرة من أعضاء الحركة، بعد الاستيلاء على العديد من مخابئها ومخازنها وتدميرها.
ولكن قتل حماس قائد عسكري إسرائيلي كبير في شمال غزة يوم الأحد، أكد أن الجناح العسكري للحركة، رغم عجزه عن العمل مثل جيش تقليدي، لا يزال قوة باتباعه أسلوب حرب العصابات الفعال، ويملك ما يكفي من المقاتلين والذخائر لتوريط الجيش الإسرائيلي في حرب بطيئة وطاحنة، وغير قابلة للربح حتى الآن.
والأحد الماضي قُتل العقيد إحسان دقسة، وهو من الأقلية العربية الدرزية في إسرائيل، عندما انفجرت عبوة ناسفة مزروعة بالقرب من رتل الدبابات الذي كان يتولى قيادته.
كان هجوماً مفاجئاً يوضح كيف صمدت حماس لمدة عام تقريباً منذ غزو إسرائيل لغزة في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ومن المرجح أن تتمكن من الصمود حتى بعد وفاة زعيمها يحيى السنوار الأسبوع الماضي.
أنفاق حماس
ويقول محللون عسكريون وجنود إسرائيليون، إن مقاتلي حماس المتبقين يتوارون عن الأنظار في المباني المدمرة وشبكة الأنفاق الضخمة تحت الأرض التي تملكها الحركة، والتي لا يزال الكثير منها سليماً رغم جهود إسرائيل لتدميرها.
ويظهر المقاتلون لفترة وجيزة في وحدات صغيرة لتفخيخ المباني، ووضع القنابل على جانب الطرق، وإلصاق الألغام بالمركبات المدرعة الإسرائيلية أو إطلاق قذائف صاروخية على القوات الإسرائيلية قبل محاولة العودة تحت الأرض.
وفي حين أن حماس لا تستطيع هزيمة إسرائيل في معركة أمامية، فإن نهجها صغير النطاق، القائم على الكر والفر، سمح لها بمواصلة إلحاق الأذى بإسرائيل وتجنب الهزيمة، حتى لو كانت حماس، وفقاً لإحصاءات إسرائيلية غير مؤكدة، قد فقدت أكثر من 17 ألف مقاتل منذ بداية الحرب.
وقال صلاح الدين العواودة، عضو حماس ومقاتل سابق في الجناح العسكري للحركة والذي يعمل الآن محللاً مقيماً في إسطنبول، إن "قوات الحركة تقاتل بأسلوب حرب العصابات بشكل جيد، وسيكون من الصعب للغاية إخضاعها، ليس فقط في الأمد القريب، ولكن في الأمد البعيد".
ورغم أن إسرائيل ربما تكون دمرت مخازن الصواريخ بعيدة المدى لحماس، إلا أن العواودة قال: "ما زالت هناك أعداد لا حصر لها من الأجهزة المتفجرة والأسلحة الخفيفة في متناول اليد".
وقد تم تخزين بعض هذه المتفجرات قبل بدء الحرب، والبعض الآخر عبارة عن ذخائر إسرائيلية أعيد استخدامها ولم تنفجر عند الاصطدام، وفقاً لحماس والجيش الإسرائيلي.
ونشرت حماس مقطع فيديو هذا الأسبوع يبدو أنه يظهر مقاتلي حماس وهم يحولون صاروخاً إسرائيلياً غير منفجر إلى قنبلة بدائية الصنع.
ويقول الخبراء، في القتال المفتوح، لا يمكن لمقاتلي حماس أن ينافسوا الجيش الإسرائيلي، كما أظهر مقتل السنوار في جنوب غزة الأسبوع الماضي.
وقُتِل السنوار، على يد وحدة إسرائيلية في 16 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، ومن غير المرجح أن يؤثر مقتله على قدرات مقاتلي حماس في شمال غزة، وفقاً لمحللين إسرائيليين وفلسطينيين.
مقاتلون جدد
ومنذ أن سيطرت إسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي على طريق رئيسي يفصل بين شمال وجنوب غزة، لم تمارس قيادة حماس في الجنوب، سوى القليل من السيطرة المباشرة على المقاتلين في الشمال.
وبعد أكثر من عام من القتال على غرار حرب العصابات، من المرجح أن يكون مقاتلو حماس المتبقين قد اعتادوا الآن على اتخاذ القرارات محلياً بدلاً من تلقي الأوامر من هيكل قيادة مركزي.
وبالإضافة إلى ذلك، قالت الحركة خلال الصيف، إنها جندت مقاتلين جدد، رغم أنه من غير الواضح عدد الذين انضموا إليها، أو مدى جودة التدريب الذي حصلوا عليه.
ولقد استفادت حماس أيضاً من رفض إسرائيل الاحتفاظ بالأرض أو نقل السلطة في غزة إلى قيادة فلسطينية بديلة.
وتقول التقارير، إن الجنود الإسرائيليين نجحوا مراراً وتكراراً في إبعاد حماس عن أحد الأحياء، ثم انسحبوا في غضون أسابيع من دون تسليم السلطة إلى منافسي حماس الفلسطينيين.
وقد سمح هذا للحركة بالعودة وإعادة فرض سيطرتها، الأمر الذي دفع الجيش الإسرائيلي في كثير من الأحيان إلى العودة بعد أشهر أو حتى أسابيع.
وبحسب الخبراء، فإن الحملة التي تشنها إسرائيل حالياً في جباليا في شمال غزة، حيث قُتل العقيد دقسة، هي عمليتها الثالثة على الأقل هناك خلال العام المنصرم.
ويقول المسؤولون الإسرائيليون، إن هذا التحرك الأخير ضروري لتقويض حركة حماس التي استعادت قوتها.
ولكن عدم وجود هدف محدد لاستراتيجية إسرائيل أدى إلى إثارة تساؤلات من جانب الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء حول سبب إرسال جنودها مرة أخرى إلى جباليا.
يقول مايكل ميلستين، المحلل الإسرائيلي للشؤون الفلسطينية، "نحن نحتل الأراضي ثم نخرج منها، وهذا النوع من العقيدة يعني أنك تجد نفسك في حرب لا نهاية لها".
وفي الوقت نفسه، يقول الفلسطينيون، إن هذه العملية في جباليا كانت واحدة من أكثر العمليات المروعة في حرب وحشية بالفعل. ومع تصاعد حدة القتال، يلوح شبح المجاعة مرة أخرى في شمال غزة، وحذر العاملون في مجال الرعاية الصحية من أن المستشفيات المتبقية الأخيرة في المنطقة معرضة لخطر الانهيار.
خطة الجنرالات
وبالنسبة للفلسطينيين، فإن الافتراض العام هو أن هذه محاولة لطرد السكان المتبقين من شمال غزة، تطبيقاً لخطة الجنرالات التي أثارها الجنرال الإسرائيلي السابق البارز، اللواء غيورا إيلاند، بعد ضغط علني على الحكومة الإسرائيلية لإخلاء شمال غزة من السكان من خلال قطع الغذاء والمياه.
وبموجب خطة الجنرال إيلاند، فإن الجيش الإسرائيلي سوف يمنح الـ400 ألف فلسطيني المتبقين في شمال غزة أسبوعاً واحداً للتحرك جنوباً قبل إعلان الشمال منطقة عسكرية مغلقة.
وبعد ذلك تقوم إسرائيل بمنع وصول كل الإمدادات إلى الشمال في محاولة لإجبار مسلحي حماس على الاستسلام، وإعادة الرهائن الذين تحتجزهم منذ الهجوم الذي شنته على إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
وقال الجنرال ايلاند، المدير السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، في مقابلة، "سيواجهون بديلين: إما الاستسلام أو الموت جوعاً".
وأضاف الجنرال، أن أي مدني يرفض المغادرة سوف يعاني من العواقب.
وقد أثارت الخطة جدلاً كبيراً وحظيت ببعض الدعم في إسرائيل، بما في ذلك من جانب وزراء الحكومة والمشرعين، حيث يسعى بعض الإسرائيليين إلى إيجاد حلول حاسمة للحرب المتكررة.
وقال المدافعون عن حقوق الإنسان، إن مثل هذه السياسة، إذا تم تنفيذها، من شأنها أن تنتهك القانون الدولي وتهدد بشكل خطير حياة المدنيين في شمال غزة.
وقال مايكل سفارد، وهو محام إسرائيلي متخصص في حقوق الإنسان، إن خطة الجنرال إيلاند سوف تتضمن "خلق أزمة إنسانية متعمدة كسلاح حرب".
وأضاف، أن "محاصرة العدو في منطقة صغيرة قد تكون مقبولة، ولكن ليس محاصرة منطقة واسعة إلى هذا الحد".
وأكد سفارد، أن خطة الجنرالات "من المرجح للغاية أن ترقى إلى مستوى جريمة حرب".
ويعتقد الفلسطينيون أن هذا النهج أصبح سياسة واقعية للحكومة الإسرائيلية، فقد أصدرت تل أبيب تحذيرات بإخلاء المزيد من الأحياء في شمال غزة، والتي يسكنها عشرات الآلاف من الناس على الأقل، كما انخفضت كمية المساعدات التي تدخل المنطقة بشكل حاد في بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول).
ولم يدخل إلى غزة سوى 410 شاحنات إغاثة خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من شهر أكتوبر (تشرين الأول)، مقارنة بنحو 3000 شاحنة في سبتمبر (أيلول)، وفقاً للأمم المتحدة.