عامل عراقي في حظيرة ترميم في مرقد الحاخام إسحاق جاؤون في بغداد (أ ف ب)
الأربعاء 28 مايو 2025 / 17:51
في أحد أحياء بغداد العاصمة العراقية، يرمم عمال مرقد حاخام من القرن السابع، في سعي آخر لأبناء الطائفة اليهودية لإحياء تراثها الذي تلاشى على مر العقود.
ويعمل ممثلون عن الطائفة اليهودية العراقية منذ أسابيع على ترميم مرقد الحاخام إسحاق جاؤون، بعد عقود من الإهمال، والتخريب وهجرة اليهود من البلد متعدد الطوائف.
وكانت الجالية اليهودية في العراق واحدة من أكبر الجاليات اليهودية في الشرق الأوسط. غير أن عدد أعضائها تقلّص اليوم في البلاد التي يبلغ سكانها أكثر من 46 مليون نسمة، إلى عشرات فقط غالبيتهم في إقليم كردستان بالشمال لا يجاهرون بدينهم.
وتقول رئيسة الطائفة اليهودية في العراق خالدة إلياهو، التي بقيت في العراق، إن هذا المرقد "كان مكباً للنفايات ولم يكن بإمكاننا إعادة إعماره".
لكن بفضل الضوء الأخضر من السلطات تمكنت إلياهو من بداية ترميم المرقد بكلفة تبلغ حوالى 150 ألف دولار ستدفعها الجالية اليهودية.
وتؤكد الستينية "يشكّل هذا المرقد تراثاً ليس فقط لنا كطائفة، بل لكل العراق". وتضيف "كان اليهود وبعض المسلمين أيضاً، يزورون مرقد الحاخام إسحاق جاؤون، إذ كانوا يؤمنون بأن لديه قدرة على شفاء المرضى".
استلهم من الأضرحة الإسلامية
أُضيفت قرب بوابة المرقد الجديدة الزرقاء لوحات من مرمر سوداء كُتب عليها بالعبرية "تبارك دخولك"، و"الله الواحد"، وأسماء بعض تلامذة الحاخام وأصدقاء الطائفة على قطع خشبية.
وكان موقع مرقد الحاخام يضمّ كنيساً، ومدرسة دينية، لكن لم يبقَ اليوم إلّا قاعة المرقد والقبر الذي كُتب عليه أنه توفي في سنة 688.
ويشير سيمشا غروس الأستاذ في جامعة بنسلفانيا الأمريكية، إلى قلة المعلومات المتاحة عن تاريخ هذا الحاخام وشخصيته. لكنه يقول، إن لقب جاؤون يشير إلى أنه كان رئيس إحدى الأكاديميات العريقة التي كانت تعلم الحاخامات، وأيضاً ترد على استفسارات المؤمنين حول التوراة.
ويقول: "حتى أحكامه الدينية لم تصل إلينا. لكن، يوجد نص من القرن العاشر، كتبه حاخام آخر، يروي كيف رحب إسحاق جاؤون، على رأس 90 ألف يهودي، بالإمام علي، صهر النبي محمد"، الخليفة الرابع، بعد فتح مدينة في وسط العراق. ويؤكد غروس "ليس لدينا أي دليل آخر عن هذا الحدث، وهناك أسباب تدعو إلى الشك".
ويقول الخبير في التاريخ اليهودي القديم، إن هذه "الأسطورة" ظهرت في فترة انتشرت فيها الروايات في القرنين التاسع والعاشر، حول ترحيب الأقليات من مسيحيين، وأرمن، وزرادشتيين، ويهود بفتوحات المسلمين موضحاً أن ذلك "كان يسمح لهم بالحصول على امتيازات، خاصةً في مسائل الضرائب".أما وجود الضريح في بغداد فيظهر في كتابات من القرن الـ19 حسب غروس.
لكن اعتباراً من القرن العاشر "ظهرت أعداد متزايدة من الأضرحة اليهودية في العراق" ويبدو أن المجتمع اليهودي في العراق "قلد أو استلهم من الأضرحة الإسلامية التي بنيت في الوقت نفسه".
يتباركون به
ويقول أحد المهندسين المشرفين على إعادة إعمار المرقد طالباً حجب هويته: "كان المرقد في حالة مزرية واستغرقت أعمال التنظيف نحو شهرين".ويضيف "تصلنا طلبات من خارج العراق من أشخاص يريدون زيارة" الموقع.
ومن المتوقع أن ينتهي ترميم المرقد خلال شهرين.
ويُذكر أن مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، هو المسؤول الحكومي الوحيد الذي تفقد حملة إعادة الإعمار في مرقد الحاخام إسحاق جاؤون.
وتعود جذور يهود العراق إلى 2600 سنة. لكن عشرات آلاف منهم تركوا العراق في السنوات التي أعقبت ما عُرف بمجزرة "القرهود" في يونيو (حزيران) 1941، التي قُتل فيها أكثر من 100 يهودي بعد مهاجمة جموع لمنازلهم ونهبها.
ومع قيام دولة إسرائيل في 1948، تسارعت هجرة يهود العراق الذي كان عددهم يبلغ حينذاك 135 ألفاً.
ولم يبق اليوم في العراق سوى حوالى 50 معبداً وموقعاً يهودياً، معظمها في مدينتَي بغداد والحلّة مركز محافظة بابل، التي اقتيد إليها قسراً عدد كبير من اليهود خلال ما عُرف بـ"السبي البابلي" في القرن السادس قبل الميلاد.
وتعاني هذه الأماكن إهمالاً كبيراً وفق رئيسة الطائفة. وحُوّلت إلى مخازن على يد مجموعات مسلّحة ومخرّبين.
وفي حيّ البتاوين، شرق بغداد الذي كان يسكنه الكثير من اليهود، لا يزال كنيس واحد صامداً، فيما تنتشر في المدينة منازل تراثية مهجورة أحياناً، لأبناء الطائفة الذين غادروا البلاد على مر العقود.
ويقول وزير العدل السابق سالار عبد الستار، إن الوزارة "نجحت في استعادة" بعض العقارات التي هجرها اليهود "ووضع تعليمات وتدابير وأمور ولجان خاصة، لمنع استعمال وتداول هذه الأملاك".
ووجه عبدالستار دعوة لليهود العراقيين في الشتات من الذين "يملكون عقارات أن يعودوا إلى البلد للقيام بالإجراءات اللازمة".
ويذكر موسى حياوي المقيم على مقربة من الموقع منذ ولادته منذ 64 عاماً، كيف كانت "نساء يعانين العقم يأتين إلى المرقد، ويسبحن في بئر ماء كانت هنا، ثم يحملن".
ويقول الموظف السابق في دائرة الطائفة اليهودية العراقية: "كان الناس يزورون المرقد ويشعلون الشموع ويتباركون، ويطلبون الشفاء لمرضاهم، أو الارتزاق بطفل، أو إطلاق سراح سجنائهم".