الخميس 17 يوليو 2025 / 13:47
يعيش العالم اليوم حروب متفرقة هنا وهناك بين جيوش نظامية كما في الحالة الأوكرانية ـ الروسية، أو يقوم بها جيش في نظامي ضد دول أخرى مسالمة في خروج عن القوانين والأعراف الدولية، كما هو الأمر بالنسبة لإسرائيل في حربها ضد الفلسطينيين، وهجومها ضد لبنان واستيلائها على الأراضي السورية، وحتى في هجوماتها المتكررة ضد إيران، وكل هذا وغيره يعتبر عودة ميدانية للجيوش النظامية.
الحالُ تلك لا تنفي وجود معارك سابقة وأخرى لاحقة لميلشيات جماعات مسلحة صُنِّفت على أنها إرهابية، وثانية: مرتزقة أنشأتها دول كبرى، أو استعانت بها، وثالثة: " جيوش شبه نظامية"، حيث سيْطر بعضٌ من القوى السياسية على شرعية السلاح داخل الدول، وغدا قادته مشاركين في صناعة قرار الحرب، أو صانعو له بمفردهم، بغض النظر عن النتائج المترتبة عن ذلك.
نذكر هذا، ونحن سنتجه بعد أقل من شهرين للاحتفال أو لتذكر نهاية الحرب العالمية الثانية في ذكراها الثمانين، بعد أن دامت ستّ سنوات من 1939 ـ إلى 1945، وهناك من يرجعها إلى قبل ذلك بثماني سنوات، وتحديداً إلى 18 سبتمبر (أيلول) 1931، حين غزا اليابان الصين، وذلك على خلفيّة انفجار قنبلة في خط حديد جنوب "منشوريا"، بالقرب من مدينة "موكدن"، وعلى إثره أعلنت طوكيو أن هذا الحادث دليل على خطر انتشار الفوضى في المنطقة وأنه يجب الحيلولة دونه، وبعد ثلاثة أيام احتلت القوات اليابانية موكدن، وفي خلال أسابيع قليلة تمكنت من احتلال جميع المدن المنشوريَّة.
وقتها كانت الصين عاجزة عن الرد عسكريّاً، لذلك عملت على مقاطعة المنتجات اليابانية في شنغهاي، وصادرت جميع السفن والمنتوجات اليابانية في الموانئ الصينية، ومع ذلك فقد ترسَّخ الاحتلال الياباني لمنشوريا بحلول عام 1932، وفي التاسع مارس (آذار) من العام نفسه تشكّلت في منشوريا حكومة" مونشوكو"، وهو الاسم الذي أُطلق على منشوريا بزعامة الأمير الصيني "بو ـ بي" الموالي لليابان، والذي تمّت إزاحته لاحقاً عن العرش، عقب الثورة الصينية التي اندلعت في ذاك العام.
واستمر احتلال اليابان لمنشوريا حتى إذا ما حلّ العام 1936 تم تشكيل حكومة عسكرية في طوكيو مدعومة من رجال الأعمال اليابانيين، وفي السابع من أغسطس (آب) 1937، اتخذ مجلس الوزراء الياباني قراراً تضمن وضع إستراتيجية للتوسع في السنوات التالية، بحيث تغدو اليابان قوة ضاربة في شرق آسيا، ولأجل تحقيق ذلك عملت الحكومة اليابانية عن إنشاء تحالفات عسكرية قوية مع ألمانيا، الأمر الذي سهّل عليها الهجوم على الصين في عام 1937.
وفي غضون عام ونصف عام من بدء العدوان، تمكنت طوكيو من احتلال كبرى المدن التجارية والصناعية في الصين مثل:" شنغهاي" و"بكين" و"كالجان" ومدناً أخرى، ونتيجة لهذا أصبح 40% من سكان الصين واقعين تحت الاحتلال الياباني، الذي ارتكب فظائع كبيرة، دفعت كلاًّ من شيوعيي الصين بقيادة "ماو تسي تونغ" والوطنيين بزعامة "تشان كي تشيك" لطي خلافاتهم والتوحد لمواجهة هذا العدوان.
الملاحظ أن الدول الاستعمارية الكبرى في ذلك الوق، مثل: بريطانيا فرنسا والولايات المتحدة التي كانت لها مصالح في هذه المنطقة، اتخذت جميعاها موقف الحياد وعدم التدخل، في المقابل فرضت اليابان حصاراً بحرياً خانقاً على موانئ الصين فأمست معزولة عن العالم كله.
وعند اشتعال الحرب العالمية الثانية 1939، انخرطت اليابان في تحالف مع دول المحور ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تدعم القوات الصينية المناهضة للاحتلال الياباني، فضلاً عن الدعم السابق من الاتحاد السوفياتي، ولم تنته اليابان كقوة إلا بعد هجومها على ميناء" بيرل هاربر" الأمريكي عام 1941 عند اشتعال المواجهة العسكرية بينها وبين الولايات المتحدة في المحيط الهادي، وانتهى المطاف بإلقاء القنبلة النووية الأمريكية على هيروشيما وناغازاكي.
العالم اليوم، يكرر غزو اليابان لمنشوريا في فلسطين، ولكن بواقع أشد إيلاماً، حيث تقوم إسرائيل بدعم أمريكي وغربي بإبادة شعب بأكمله، وهذا الوضع قد لا ينتهي بالضرورة إلى حرب عالمية ثالثة، لكن إذا قُدِّر للخرائط أن تتغير، وأن تشتعل الحروب ـ كما هي الآن ـ على نطاق إقليمي واسع، وتُسْهم في نيرانها الدول الكبرى، فسيؤرخ لبدايتها بـ"طوفان الأقصى".