فلسطينيون يحاولون الحصول على الطعام في غزة (أرشيف)
فلسطينيون يحاولون الحصول على الطعام في غزة (أرشيف)
السبت 4 أكتوبر 2025 / 17:56

"كارثة لا يمكن تصورها".. كيف تمارس إسرائيل التجويع في غزة؟

دفعت الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ ما يقارب العامين أجزاءً من غزة إلى مجاعة "من صنع الإنسان"، وفقاً لتقرير صدر في أغسطس (آب) الماضي، عن مبادرة مدعومة من الأمم المتحدة، ما عمّق معاناة الفلسطينيين في ظل القصف المستمر، والنزوح الجماعي، وانتشار الأمراض، بحسب ما نقلته شبكة "سي إن إن".

التقرير، الصادر عن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) – وهو فريق خبراء مدعوم من الأمم المتحدة يقيّم حالة انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية عالمياً – ساهم في تأجيج موجة من الانتقادات الدولية المتزايدة ضد الحملة الإسرائيلية على غزة عقب هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 التي قادتها حماس. وقد استندت بعض الدول، التي تحركت مؤخراً نحو الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية، إلى هذا التقرير.

التصنيف المرحلي

وتوقّع "التصنيف المرحلي" أن نحو ثلث سكان غزة سيواجهون ظروف المجاعة مع نهاية سبتمبر (أيلول)، رغم أنه لم يصدر حتى الآن تحديثاً بشأن هذا التقدير.

في محافظة غزة وحدها – الأكبر من بين المحافظات الخمس في القطاع – حُكم على أكثر من نصف مليون شخص بالعيش في دوامة من "الجوع والبؤس والموت"، وفقاً للتقرير. وأضاف أن الهجوم الإسرائيلي على مدينة غزة، والذي قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إنه يستهدف أحد "المعاقل المتبقية" لحماس، قد خنق عمليات الإغاثة للفلسطينيين الجائعين، بحسب ما أكدته منظمات حقوقية.

واتهم مايكل فخري، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء، إسرائيل باستخدام الجوع "كسلاح ضد الفلسطينيين"، في انتهاك للقانون الدولي.

وقال فخري لشبكة "سي إن إن": "إسرائيل تستخدم الغذاء والمساعدات كسلاح لإذلال الفلسطينيين وإضعافهم وتشريدهم وقتلهم في غزة."

ورفضت إسرائيل نتائج التقرير، حيث وصفت الوكالة الإسرائيلية المسؤولة عن دخول المساعدات إلى غزة ما ورد فيه بأنه "خاطئ" ومبني على بيانات "جزئية ومنحازة" مصدرها "حماس". وهاجم نتانياهو التقرير في بيان صادر عن مكتبه، مؤكداً أن "إسرائيل لا تنتهج سياسة التجويع."

ومنذ ذلك الحين، أصرت إسرائيل على أنها كثّفت دخول المساعدات إلى غزة، لكن وكالات الإغاثة تقول إن تصعيد الحرب، ولا سيما في محيط مدينة غزة، فاقم معاناة الفلسطينيين.

وفيما يلي، 5 نقاط تستعرض كيفية تبلور الوضع الذي وصفه التقرير.

المجاعة تمتد إلى وسط وجنوب غزة

توقّع "التصنيف المرحلي" أن تمتد المجاعة إلى دير البلح بوسط غزة، وإلى خان يونس في الجنوب مع نهاية سبتمبر (أيلول)، ما سيؤثر على نحو 641 ألف شخص.

وبحلول يونيو (حزيران) 2026، يُتوقع أن يعاني ما لا يقل عن 132 ألف طفل دون سن الخامسة من سوء تغذية حاد، من بينهم أكثر من 41 ألف حالة شديدة تعرّض الأطفال لخطر متزايد بالوفاة.

ووفقاً للتصنيف، فإن إعلان المجاعة رسمياً لا يتم إلا إذا تحققت ثلاثة معايير: أن تواجه 20% من الأسر على الأقل نقصاً حاداً في الغذاء، وأن تصل نسبة الأطفال الذين يعانون سوء تغذية حاد إلى عتبة معينة، وأن يموت اثنان على الأقل من بين كل 10,000 شخص يومياً بسبب الجوع أو سوء التغذية والأمراض.

واتهمت إسرائيل "التصنيف المرحلي" بخفض معيار سوء التغذية الحاد لدى الأطفال، وهو ما نفاه الخبراء.

وأوضح التقرير أن الباحثين يعتمدون على ثلاث طرق لقياس سوء التغذية عند الأطفال: الطول والوزن، أو مؤشر كتلة الجسم، أو محيط العضد الأوسط (MUAC). وقد استخدم الفريق الأخير منذ 2019 لقياس سوء التغذية، حيث تبين أن 15% على الأقل من الأطفال بين 6 و59 شهراً لديهم محيط عضد أقل من 125 ملم أو وذمة.

وأكد التقرير أن هذه المعايير "قياسية ولم تُعدّل من أجل غزة"، مشيراً إلى أن هذه الأداة ترتبط بقوة بنتائج الوفيات وقد استُخدمت في تصنيف المجاعات بالسودان وجنوب السودان خلال هذا العقد.

ويقول المدافعون عن حقوق الإنسان إن تدمير إسرائيل للبنية التحتية الصحية وتصعيدها العسكري أعاقا الجهود الرامية إلى توثيق حجم المجاعة بشكل كامل.

وبعد أكثر من 700 يوم من الحرب، أفادت وزارة الصحة في غزة في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) بأن 455 فلسطينياً توفوا بسبب سوء التغذية أو الجوع، بينهم 151 طفلاً. وأضافت أن 177 من هؤلاء توفوا منذ تأكيد المجاعة في 15 أغسطس (آب).

كم تبلغ كمية المساعدات الأممية التي تصل إلى غزة؟

تقول الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة إن الشبكة البيروقراطية الواسعة لإسرائيل – بما في ذلك الموافقات المتأخرة، والتفتيش الشاق على الحدود، والرفض العشوائي لبعض المواد – تخنق كمية المساعدات التي تعبر إلى غزة، وترفع أسعار الغذاء بشكل كبير.

وفي زيارة للمنطقة أواخر أغسطس (آب)، اتهم عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي كريس فان هولن وجيف ميركلي، وكلاهما من الحزب الديمقراطي، حكومة نتانياهو بأنها "تنفذ خطة لتطهير غزة عرقياً من الفلسطينيين"، وبأنها تستخدم الغذاء "كسلاح حرب." ونفت إسرائيل هذه الاتهامات.

وقال تقرير مشترك لهما نُشر في 11 سبتمبر (أيلول): "النتائج التي توصلنا إليها تقودنا إلى الاستنتاج الحتمي بأن حرب حكومة نتانياهو في غزة تجاوزت استهداف حماس لتفرض عقاباً جماعياً على الفلسطينيين، بهدف جعل حياتهم غير قابلة للاستمرار."

من جهتها، قالت السلطات الإسرائيلية إن الشاحنات "تظل غير مُستلمة" على حدود غزة، متهمة الأمم المتحدة بالفشل في تنسيق دخولها.

لكن سام روز، القائم بأعمال مدير شؤون الأونروا في غزة، قال إن إسرائيل التي تسيطر بشكل شبه كامل على ما يدخل القطاع تتحكم "حتى في السعرات الحرارية" التي تصل للسكان. وأضاف: "النظام مصمم لكي لا يعمل بسلاسة."

وقال مسؤول رفيع في وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي (كوغات) في سبتمبر (أيلول): "نعرف ونحلل كل شاحنة تدخل غزة، وزنها والسعرات الحرارية التي تحملها." وأضاف أن التحليل أظهر دخول 4,400 سعرة حرارية للفرد يومياً منذ أغسطس (آب).

لكن الأمم المتحدة ذكرت في يونيو (حزيران) أن الفلسطينيين لم يستهلكوا سوى 1,400 سعرة يومياً، أي ما يعادل 67% فقط من الحد الأدنى المطلوب للبقاء (2,300 سعرة).

طرق أخرى لتلقي المساعدات؟

تؤكد إسرائيل أن المساعدات الأممية ليست سوى جزء من الإغاثة التي تصل إلى غزة. وقال مسؤول في "كوغات" في سبتمبر (أيلول) إن 27% فقط من الشاحنات التي تدخل غزة تابعة للأمم المتحدة، واصفاً ما قيل عن دخول 600 شاحنة يومياً قبل الحرب بأنه "كذبة."

وقال المسؤول: "لا توجد مجاعة في غزة. نقطة على السطر". وأضاف أن "إسرائيل والجيش يحاولان تحسين الوضع الإنساني بالشراكة مع أطراف أخرى."

وفي مايو (أيار)، أنشأت "مؤسسة غزة الإنسانية" (GHF) المدعومة أمريكياً وإسرائيلياً برنامجاً لإقامة خمسة مراكز توزيع في غزة معظمها في الجنوب تعتمد على شركات عسكرية خاصة، لتحل محل 400 مركز كانت تديرها الأمم المتحدة.

لكن عمال الإغاثة والصحة يقولون إن هذه الأساليب بديلة غير إنسانية، وتعرض الفلسطينيين للإصابة أو الموت. وذكرت الأمم المتحدة أن 1,172 شخصاً قُتلوا "قرب مواقع توزيع عسكرية" بين 27 مايو (أيار) و9 سبتمبر (أيلول)، إضافة إلى 1,084 وفاة على طرق الإمداد.

واتهم خبراء أمميون في أغسطس (آب) الجيش الإسرائيلي بإطلاق "نيران عشوائية" على أشخاص يسعون للحصول على المساعدات، ودعوا إلى إغلاق هذه المراكز فوراً. وقالوا إن الوصول إليها "بالغ الصعوبة" بالنسبة للنساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة.

من جهتها، دافعت "مؤسسة غزة الإنسانية" عن عملها، قائلة إنها الجهة الوحيدة القادرة على توزيع الغذاء "على نطاق واسع ومن دون عرقلة." وأكدت أنها عرضت التعاون مع وكالات الأمم المتحدة لكن الأخيرة "رفضت العروض."

وقال جراح أمريكي يُدعى محمد خليل، عمل في غزة، للشبكة: "الناس يدخلون في فخاخ موت لمحاولة الحصول على المساعدات. كثيرون يفضلون المخاطرة برصاصة على الموت جوعاً."

تراجع الأراضي الزراعية

بحلول 28 يوليو (تموز)، لم يتبقَّ سوى 1.5% فقط من الأراضي الزراعية في غزة يمكن الوصول إليها وغير متضررة، وفقاً للأمم المتحدة، ما جعل الفلسطينيين عاجزين تقريباً عن زراعة الغذاء.

هذا التدمير، إضافة إلى حظر الصيد والهجمات المتواصلة شمالاً، زاد من محدودية مصادر الغذاء لمئات آلاف النازحين.

وقال فخري، مقرر الأمم المتحدة: "لم يكن صدفة أن تركّز إسرائيل تكتيكات التجويع في شمال غزة.. لقد أعلنوا نيتهم دفع الناس من الشمال إلى الجنوب. والآن، تركيزهم على مدينة غزة يتماشى مع خطط غزوها."

وحذّر عارف حسين، كبير الاقتصاديين في برنامج الأغذية العالمي، من أن اجتياح مدينة غزة قد ينهار معه "سلسلة الإمداد الهشة أصلاً."

وأضاف: "نحن بالفعل على حافة الهاوية. أي تصعيد آخر خصوصاً في مدينة غزة قد يدفع الوضع نحو كارثة لا يمكن تصورها."