الخميس 14 مارس 2013 / 12:35

المعاكسات في زمن السياسة والفوضى: كلمات بطعم الاغتصاب

24 - الشيماء خالد

المعاكسات لغة عصر تتباين باختلاف معطياته، بطلها الرجل غالباً، فيها أطياف من ظرف وصفاقة، وسخرية وتقدير، من الشيء ونقيضه، تختزل عالماً من الغزل وفورة الشباب وانطلاق شرارات الحياة،يقول أحدهم: "يا قمر خف علينا"، وثان يلقي نكتة، وثالث يقذف مذمة، ورابع يدندن مقطع أغنية، وخامس يصفر ثم يقول متنهداً: "يا قلبي".

إلى فترة قريبة كان الشبان يستعملون عبارات مثل "أنا مش بتاع فترات انتقالية، أنا بتاع استقرار ياجميل"، و "أموت في الشفافية"، وتأثرا باتهام بعض المنظمات بالعمالة، ونظرية المؤامرة، وخدمة أجندات أخرى ضد مصر، يعاكس البعض قائلا: "خدي الأجندة ونسمي بنتنا شاهندة"

لبنان قد يقول أحدهم حين يرى فتاة تقف إلى جانب سيارتها أو تهم بدخولها، "للبيع" فإن أجابت بلا كما هو متوقع سيقول "طب والسيارة"

يعرف المركز المصري لحقوق المرأة التحرش على أنه ليس فقط السلوك الجنسي غير المرغوب فيه من طرف الضحية، فهو كل ما يسبب أذى نفسي أو جسدي أو بدني في هذا النطاق، "ليس من الضروري أن يكون التحرش سلوكاً جنسياً معلناً واضحاً، بل قد يشمل تعليقات ومجاملات غير مرغوب فيها مثل الحَمْلَقة والصفير والعروض والإيماءات الجنسية..وعادة ما يستهدف الرجال بها النساء"

لم تعد المعاكسات أمراً محبباً إذ أخذت تنحى للعنف وللهجوم على الآخر وامتهانه، ويعتبرها باحثو اجتماع مؤشراً يسبق الاغتصاب

لكل بلد مفرداته الخاصة فيما يتعلق بمعاكسات الشباب، التي تعدّ  أكثر حيوية وذكاءً وسرعة تغير من معاكسات الأكبر عمراً.
وفي الإمارات مثلاً يعيش خليط من الجنسيات العربية، أبرزها الخليجي والمصري والشامي، ولا يكتفي هؤلاء بالمعاكسات المعروفة في قاموس كل منهم، بل يأخذ هذا من ذاك، ويصيفون عليها مصطلحات عامة لا تخص جنسية أو بيئة ما، مثل "البطارية لازمها شحن"، و تلك التي تستعملها غالبية من الجنسيات رغم اختلافهم عن المحليين في بلد كالإمارات، مثل "فديتك" (كلمة باللهجة الإماراتية تنطق بكسر الفاء واستبدال الكاف بالشين أحيان، وتعني أفديك) والتي تعد من أشهر الكلمات المستخدمة للمعاكسة بتحبب هناك.

خضرا .. حمرا
كان خالد يجالس صديقين له حين بدأوا الحديث عن الفتيات، فأخذ صاحبنا يتحدث عن "مُزة" جديدة تعرف عليها، ويسهب في وصف جمالها، ومغامراتهما معاً، ولم يدر كيف أخذه الحديث إلى الشارع الذي تسكن فيه، فسأله أحدهما عن البناية التي تسكنها، وحين أخبره، قام الشاب وسأله عن الطابق الذي تقطنه، وما إن نطق خالد بالرقم حتى وجد نفسه يتدحرج إثر لكمة وجهها ذلك الشاب، إذ اكتشف أن أخته هي تلك "المزة" التي يقصدها خالد، ".. كان ذلك أسوأ موقف في حياتي، كانت الفتاة "اللي ضبطتها" هي أخت صديقي! وللأسف بعد تلك "العلقة" انقطعت علاقتنا".

موقف آخر حدث لخالد، الذي لا يتخلى عن المعاكسات يوماً واحداً، فيقول: "كنت أمشي بجانب مديري ،الذي كانت تربطني به علاقة جيدة، في ساحة المجمع الذي يقع فيه مكتبنا، وإذ بي أرى أمامي "غزالة" تمشي، فتاة فاتنة بكل معنى الكلمة، فما كان مني إلا أن لكزته وقلت: شوف شوف الصاروخ.. وبالطبع ما إن قوبلت بصمت وبنظرة نارية حتى تجمدت في مكاني، إذ أننا اعتدنا تبادل التعليقات عن الفتيات والنساء والمعاكسة، وكان عادة يسعد بالأمر".  

مدير خالد لم يكن سعيداً هذه المرة، كون "الغزالة" أو "الصاروخ" كانت ابنته، المهم هنا أن مواقف كهذه كانت وراء استعمال كلمات تعتبر رمزاً لتوضيح المسألة وتجنب الإحراج، فمثلا إذا كان مجموعة من الشباب جالسين ومرت فتاة، فيقول أحدهم متسائلاً "خضرا ولا"، أو "حمرا ولا"، وفي الغالب يقال "خضرا ولا حمرا"، فإن أجاب أحد بـ"حمرا" فذلك يعني أنها تخصه بشكل ما، بمعنى القرابة مثلاً، وبالتالي تفلت تلك الفتاة من وابل من المعاكسات، أو العبارات الجارحة أو غير ذلك مما قد يتفوه به الشاب أو الشباب مجتمعين، في حال كانت "خضرا".

بنكهة السياسة
في لبنان تمر فتاة جميلة فيقول شاب "يا أرض احفظي ما عليكي، يؤبشني"، أو "البقلاوة صار إلها رجلين وبتمشي"، وقد يتظرف البعض فيقول "شو هربان من البراد! القشطة بيسيح في الشمس"، و غيرها من تبعات "شو"، فـ"شو يا حلو"، "شو يا أسد"، "شو يا قشطة"، إلخ، وقد يتجاوز بعضهم فيقول "معك رخصة للي حاملتيه"، أو "يا ريتني قملة بشعراتك"!

أما الطريف حقاً، فهو تقليد الشباب لبعض مشاهير سياسة لبنان في الحديث، تظرفاً منهم في أسلوب معاكسة خاص، يحوز اهتمام الفتيات ورضاهن إذ يثير الضحك ويغطى بأسلوب ذكي.

مفردات اللغة المصرية طاغية بطبعها، وربما هي الأبرز حين تكون المعاكسة بنكهة السياسة، فنزع شباب مصر عباءة الرومانسية والكلمات الرقية والمداعبات الدافئة، باتجاه كلمات تنتفخ بآثار السياسة وسياق اجتماعي متغير، وواقع اقتصادي جديد كذلك.

في فترة قريبة كان الشباب هناك يستعملون عبارات مثل "أنا مش بتاع فترات انتقالية، أنا بتاع استقرار يا جميل"، و "أموت في الشفافية"، وتأثراً باتهام بعض المنظمات بالعمالة، ونظرية المؤامرة، وخدمة أجندات أخرى ضد مصر، يعاكس البعض قائلا: "خدي الأجندة ونسمي بنتنا شاهندة"، ومن وحي التحرير "الجميل تحرير ولا رد الجميل" أو "الشعب يريد رقم تلفونك".

بعض المعاكسات تحمل في طياتها إيحاءات جنسية، بوقع المضحك المبكي، فحين يقول أحدهم "تيجي نلعب أمن دولة ومواطنة انقفشت بتوزع منشورات"، و"أموت في الانفلات الأمني" أو "عاوزك في حوار وطني" و"أبويا في المعتقل وأمي في التحرير والبيت فاضي"، نستشف أبعد من مجرد مغزى جنسي بحت إلى الوصول لحالة من الصفاقة والوقاحة تدلل على تدهور حالة بلاد بالكامل، مؤشرها شباب اليوم، رجال الغد.

وفي لبنان أيضاً، قد يقول أحدهم حين يرى فتاة تقف إلى جانب سيارتها أو تهم بدخولها، "للبيع" فإن أجابت بلا كما هو متوقع سيقول "طب والسيارة"، أو حين يرى معها كلباً قد يقول "بيعض" وإن قالت لا مثلاً فسيقول "طب والكلب"! وحتى إن أجابت بنعم، الجزء الثاني من المعاكسة يبقى قائماً.

معاكسات، تحرش، فاغتصاب
يعرف المركز المصري لحقوق المرأة التحرش على أنه ليس فقط السلوك الجنسي غير المرغوب فيه من طرف الضحية، فهو كل ما يسبب أذى نفسياً أو جسدياً، "ليس من الضروري أن يكون التحرش سلوكاً جنسياً معلناً واضحاً، بل قد يشمل تعليقات ومجاملات غير مرغوب فيها مثل الحَمْلَقة والصفير والعروض والإيماءات الجنسية.. وعادة ما يستهدف الرجال بها النساء".

وحسب دراسة أخيرة للمركز عام 2012، كان هناك اتفاق بين الباحثين وآراء مجموعة من الجمهور أن المعاكسات في أغلبها، بأنواعها، مباشرة أو تلفونية، مبطنة بمغزى جنسي، أو ملحة، ناهيك عن الملاحقة والتتبع والتصفير، كل ذلك يدخل إطار أشكال التحرش الجنسي، وهنا لم تعد المعاكسات أمراً محبباً، بل أخذت تنحى للعنف، وللهجوم على الآخر وامتهانه، ويعتبرها باحثو اجتماع مؤشراً يسبق الاغتصاب، باعتبار التحرش بصورته التي تَقْبَحُ يوما بعد آخر، محطة قبل تطور الكلام إلى فعل بهمجية مغزاه.

في أواخر 2012 نشرت جريدة "الاتحاد" الإماراتية، موضوعا يشير إلى دراسة أجريت في موريتانيا، عن الحوادث والخلافات التي تسببها معاكسات الشباب هناك، أكدت الدراسة وقتها أن المرأة لم تعد تشعر بالأمان في الشارع أو السوق أو حتى مكان عملها، إذ تتزايد المعاكسات بأسلوب فج، ليس لغاية خلق علاقة عاطفية ما بقدر ما لغاية المضايقة والإزعاج.

ويشير الباحث الاجتماعي ولد أحمد تاج الدين إلى أن المعاكسة أكثر وضوحاً في المجتمعات المنغلقة المتمسكة بتقاليدها وثقافتها، لأنها مرفوضة ومحاصرة اجتماعياً بينما يكون أثرها أقل وضوحاً في المجتمعات الأخرى، واللافت أنه أصبح من النادر في موريتانيا مثلاً أن تكون المعاكسة في شكل ألفاظ مهذبة أو غزلية، بل تأخذ مع الوقت منحى ألفاظ خادِشة للحياء، وبأسلوب متربص مريب، مؤشراً لفرض المطالب بالقوة.

الباحث نفسه أشار لانتشار ملحوظ للاغتصاب، وقد حذرت الدراسات فيما سبق من تأثير سلوك الشباب ومعاكساتهم للفتيات على انتشار هذه الظاهرة التي سجلت أرقاماً مخيفة.

ممثلية الأمم المتحدة في موريتانيا حذرت من خطورة الوضع ومن انعكاسات هذه الظاهرة على المجتمع بأكمله، كما ساهم انعدام مراكز وآليات للعناية بالمغتصبات والصعوبات التي تعترض المتابعات القضائية في تفاقم الظاهرة.

ما يبدأ بمجرد معاكسات قد ينتهي إذاً إلى كارثة، إذ هناك 400 حالة اغتصاب حدثت داخل منطقة ضيقة في موريتانيا شملها التحقيق، وجاء في الدراسة أن 65 بالمائة من المغتصبات غير بالغات و90 % غير متزوجات و23 بالمائة منهن أميات و84 % منهن منحدرات من أسر فقيرة، أما المغتصبون، حسب الدراسة نفسها، فإن 46 % منهم اشتركوا في اغتصاب جماعي بعد معاكسة الضحية.

ويؤكد المركز المصري لحقوق المرأة في دراسته واسعة النطاق سابقة الذكر، أن نسب تعرض جمهور البحث من المصريات والأجنبيات تعرضن للتحرش الجنسي السافر بعد سلسلة معاكسات، تتراوح بين 83% و 98% على التوالي، وتعرضت النساء المصريات لمعظم أشكال التحرش، بدءاً من التصفير والمعاكسات الكلامية (67.9%)، مروراً بالنظرة الفاحصة للجسد والمسيئة بتعبيرها (46.6%)، ثم اللمس غير اللائق (40%) والتلفظ بعبارات ذات مغزى جنسي (30.2%)، والملاحقة والتتبع (22.8%)، مع تأكيد نسبة (64.1%) لتعرضهن للمعاكسات وأشكال التحرش الأخرى بصفة يومية.