تجربة سابقة لصارخ بوريڤيستنيك الروسي (أرشيف)
تجربة سابقة لصارخ بوريڤيستنيك الروسي (أرشيف)
الخميس 30 أكتوبر 2025 / 20:03

صاروخ "بوريڤيستنيك".. "الفيل الأبيض" الروسي في الصراع مع أمريكا

في تصعيد جديد في حرب التصريحات والتهديدات، كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن اختبار ناجح لأحد الأسلحة الفائقة، التي أعلن عنها عام 2018، في خطوة يرى مراقبون أنها تحمل رسائل ردع موجهة للغرب، وسط التوترات المتصاعدة.

وذكرت صحيفة " تلغراف" البريطانية أن السلاح المعني هو صاروخ كروز يعمل بالطاقة النووية، ويحمل اسم "بوريڤيستنيك" (Burevestnik)، وهو أحد أكثر المشاريع العسكرية الروسية إثارة للجدل نظرًا لقدراته النظرية على التحليق لفترات طويلة دون رصد.

ويرى خبراء عسكريون أن المشروع يبدو أقرب إلى استعراض تكنولوجي منه إلى ضرورة استراتيجية، إذ يُعتقد أن تطويره جاء بدافع إثبات التفوق التقني، أكثر من كونه استجابة لحاجة عسكرية فعلية على أرض الواقع.

بوريڤيستنيك يطوف العالم

ويؤكد التقرير أن صاروخ "بوريڤيستنيك"، إذا كان يعمل فعليًا كما تزعم موسكو، فإنه يتمتع بمدى ودوام شبه غير محدودين، بفضل نظام الدفع النووي الذي يميّزه عن صواريخ كروز التقليدية. ومع ذلك، تشير الصحيفة إلى أن الصاروخ يظل في جوهره سلاح كروز دوني السرعة، أقرب إلى طائرة من دون طيار منه إلى "معجزة تكنولوجية"، كما تصفه الرواية الروسية.

وأفادت الصحيفة بأن كثيرين يبالغون في تقدير قدرات الصاروخ، خصوصًا لجهة قدرته المزعومة على الطيران على ارتفاع منخفض طوال مساره، معتبرة أن هذا لا يشكل تفوقًا نوعيًا حقيقيًا.

وأوضحت "تلغراف" أن صواريخ كروز التقليدية التي تعمل بمحركات نفاثة تحتاج عادةً إلى التحليق على ارتفاعات أعلى في جزء من رحلتها لتحقيق أقصى مدى، إذ تعمل المحركات بفاعلية عند الارتفاعات المنخفضة، لكنها تستهلك كميات أكبر من الوقود كلما اقتربت من سطح الأرض أو البحر.

وأضافت أن التحليق على ارتفاع منخفض يُعد وسيلة فعالة لتفادي رصد الرادارات الأرضية التقليدية، إذ تبقى المركبات التي تطير قرب سطح الأرض تحت الأفق الراداري ما لم تقترب لمسافات قصيرة.

لكن الصحيفة أوضحت أن هذه المشكلة التقنية تم تجاوزها منذ زمن في الدول الغربية، موضحة أن الحل بسيط ويتمثل في نشر أنظمة رادار على طائرات تحلق على ارتفاعات عالية، ما يمنحها رؤية خطية تمتد لمئات الأميال. ووفق الصحيفة، فإن صاروخ "بوريڤيستنيك" قد يتمكن من الطيران حول العالم ومن أي اتجاه، لكنه سيُكتشف فور اقترابه من مدى طائرات الإنذار المبكر "أواكس" التابعة لحلف الناتو.

وترى الصحيفة أن بوتين ربما يرى في الصواريخ المنخفضة التحليق سلاحًا مثيرًا ورمزيًا للقوة، مشيرة إلى أن إعلان الاختبار الأخير قد يكون مدفوعًا بـالقلق من تزويد أوكرانيا بصواريخ "توماهوك" الأمريكية، التي أثبتت فعاليتها في اختراق الدفاعات الروسية خلال الضربة الأمريكية ضد إيران مطلع العام الجاري.

وأفادت صحيفة " تلغراف" أن روسيا تملك طائرة من طراز "بيرييف" A-50، المشابهة لطائرات الأواكس الغربية، لكنها كانت تملك أقل من تسع طائرات من هذا النوع عند بدء الحرب الأوسع مع أوكرانيا، ما يعني عمليًا أن نحو نصف دزينة فقط متاحة للعمل في أي يوم.

لماذا يخشى بوتين توماهوك؟

وأوضحت أن القوات الأوكرانية دمرت عدداً من طائرات A-50 الروسية، ما يجعل من غير المرجح أن يتمكن بوتين من إبقاء حتى طائرة واحدة تحلق باستمرار. وأشارت الصحيفة إلى أن الطائرات المسيرة الأوكرانية العادية وصلت إلى موسكو، ما يفسر قلق بوتين من صواريخ "توماهوك" الأمريكية.

ولفتت إلى أن صاروخ "بوريڤيستنيك"، الملقب بـ"صندوق تشيرنوبل الطائر"، يبدو قليلاً من القيمة العملية، مشيرة إلى أنه يواجه عدة عوائق تقنية وعسكرية تحد من فعاليته على أرض الواقع.

وقالت الصحيفة إن أسباب قلّة الجدوى العملية لصاروخ "بوريڤيستنيك" تتمحور حول ثلاثة محاور رئيسية:

أولًا — التكلفة الفلكية: كل صاروخ مزوّد بنظام دفع نووي سيكون باهظ الكلفة للغاية، ولا يرغب أحد في روسيا بالاعتراف بحجم الإنفاق اللازم لتصنيعه على نطاق واسع، خاصة في ظل تدهور الاقتصاد وقيود الإيرادات النفطية. ومقارنةً بصواريخ "توماهوك" التي تقل كلفتها عن مليون دولار للواحدة، فإن تكلفة البوريڤيستنيك ستكون ضخمة وتحدّ من إمكانية إنتاجه بكميات مؤثرة.

ثانياً — أهمية الكم والكتلة في الحروب الحديثة: أثبتت التجارب أن التفوق العددي — آلاف الطائرات المسيرة والمئات من الصواريخ البسيطة — غالبًا ما يفوق سلاحاً أحاديًا مكلفاً. كما قال الجنرال الألماني هاينز جودريان: "الكمّ يحسم اليوم ما لا تفتحه المفردات"، ومن هذا المنطلق فإن موارد موسكو قد تُحقق أثراً أكبر لو استُثمرت في نظم كثيرة ورخيصة بدلاً من صواريخ مفردة باهظة.

ثالثاً — قيود الأداء والسرعة: البوريڤيستنيك بطيء نسبياً مقارنة بالصواريخ ذات السرعات العالية، ما يجعله عرضة لإسقاطه بالطائرات المقاتلة أو أنظمة الدفاع الجوي. والادعاء بأن قادته يستطيعون الطيران آلاف الكيلومترات لا يقدّم ميزة تكتيكية بحد ذاته، بل قد يكون عبئاً لوجستياً وتكتيكياً.

ومن جهة أخرى، نقل التقرير أن صاروخ البوريڤيستنيك لم يزلزل الرئيس الأمريكي. ففي رد غاضب من طائرة "إيرفورس وان"، أخبر دونالد ترامب بوتين أن الولايات المتحدة تملك أقوى غواصة نووية مزوّدة بصواريخ قادرة على محو معظم الأراضي الروسية خلال دقائق، قبل أن يقترب الصاروخ الروسي من الوصول إلى الأراضي الأمريكية. وأضاف التقرير أن ترامب أقرّ إعادة استئناف الاختبارات النووية الأمريكية بعد 30 عاماً، في خطوة أثارت القلق الدولي.

ويخلص التقرير إلى أن "السلاح الروسي الجديد" يتجاهل الدروس المستفادة من الصراع في أوكرانيا، مشيراً إلى أن موسكو قد تستمر في إضاعة مواردها في هذا النفق التكنولوجي المكلف. ويرى التقرير أن هذا الواقع قد يدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تزويد كييف بمئات صواريخ "توماهوك"، وهو ما قد يجبر بوتين على التفاوض على سلام جدي أكثر من أي "سلاح عجيب" يروَّج له في الكرملين.