غلاف مجلة تراث
الأحد 23 نوفمبر 2025 / 15:29
صدر في الإمارات العربية المتحدة هذا الأسبوع عدد جديد من مجلة "تراث"، الصادرة عن هيئة أبوظبي للتراث، والمتخصصة في شؤون التراث وقضاياه إماراتياً وعربياً ودولياً.
وتصدّر العدد رقم 311 ملف بعنوان "مفردات التراث الإماراتي في أدب الرحلات"، تضمن ثمان مشاركات تنوعت بين الدراسة والمقال، وكتبها أقلام إماراتية وعربية.
وجاء اختيار الموضوع بهدف إبراز جانب ثري من الموروث اللغوي، في محاولة لإعادة إحيائه وتفسير دلالاته لضمان نقله إلى الأجيال القادمة.
قيمة تاريخية وثقافية
وفي افتتاحية العدد، أكدت رئيسة التحرير شمسة الظاهري أن أدب الرحلات يُعد رافداً معرفياً أساسياً لدراسة التراث الإماراتي، مشيرة إلى أنه يتيح للباحثين الاقتراب من الصورة اليومية للمجتمع المحلي من خلال شهادات خارجية حية ومباشرة.
وأوضحت أن نصوص الرحالة، سواء كانوا تجاراً أو مستكشفين أو موظفين إداريين، لم تقتصر على الوصف الجغرافي أو تدوين المسالك البحرية والبرية، بل امتدت لتسجيل تفاصيل دقيقة عن أنماط المعيشة والمفردات الشعبية المتداولة بين الأهالي، مما يمنح هذا الأدب قيمة تاريخية وثقافية مزدوجة لحفظ ذاكرة اللغة الشعبية.
وأكدت الظاهري أن أبرز المفردات التي سلّطت نصوص الرحلات الضوء عليها تشمل كلمة "السدو"، وهو فن نسج الصوف المرتبط بأهل البادية لإنتاج المفروشات وأغطية وبيوت الشعر، إلى جانب كلمة "العريش"، أحد المساكن الصيفية التقليدية المشيدة من جريد النخيل، ولفظة "المجلس" باعتباره مركز الحياة الاجتماعية لتبادل الأخبار وعقد جلسات الشورى وممارسة الكرم كقيمة أصيلة في الهوية الإماراتية.
وأشارت رئيسة التحرير إلى أن الرحالة البريطاني ويلفريد ثيسيغر وثّق في كتابه "الرمال العربية" (1959) العديد من هذه المفردات أثناء وصفه لحياة البدو في ليوا والظفرة، فيما يظل عمل جون جوردون لوريمر "دليل الخليج وعمان وشبه الجزيرة العربية" (1908-1915) مرجعاً وثائقياً بالغ الأهمية لدقته في وصف المواقع والعشائر والمصطلحات والعادات. كما سجّل الرحالة الدنماركي كارستن نيبور في القرن الثامن عشر إشارات مبكرة إلى مساكن العريش ومجالس الشورى كمؤسسات اجتماعية أصيلة.
وأكدت الظاهري أن هذه المفردات ليست مجرد كلمات معزولة، بل علامات ثقافية تعكس علاقة الإنسان الإماراتي ببيئته القاسية وطرق تكيّفه مع ندرة الموارد، لافتة إلى أن تكرار ظهورها في نصوص الرحالة عبر العصور المختلفة يؤكد ثبات حضورها في الوعي الجمعي واستمرارية التقاليد.
وشددت على أن أدب الرحلات يمثل وثيقة غير متعمدة لحفظ التراث، إذ ساهمت ملاحظات الرحالة، بدافع الدهشة والاكتشاف، في صون مفردات كادت تندثر مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها الدولة بعد اكتشاف النفط وبداية التحديث.
وختمت شمسة الظاهري كلمتها بالقول: "إن إعادة قراءة أدب الرحلات ليست نشاطاً تاريخياً فحسب، بل مدخل حقيقي لإحياء التراث اللفظي وتوظيفه في الكتابة المعاصرة، وطريق لإعادة تشكيل الهوية الثقافية عبر وصل الماضي بالحاضر، مما يمنح الدارسين مادة خصبة لفهم عمق الانتماء الإماراتي إلى بيئته، ويؤكد الدور الحيوي للغة في صون الذاكرة الجماعية وتعزيز الهوية الوطنية".

مجالس الشيوخ
افتتحت المجلة ملف هذا العدد بمقال للدكتورة أماني إبراهيم ياسين بعنوان "جغرافيا التراث الإماراتي في أدب الرحالة: من الاقتصاد البحري إلى البنية القبلية". واستعرض محمد فاتح صالح زغل رحلة البرتغالي غاسبارو بالبي في القرن السادس عشر وتوثيقه للتراث البحري الإماراتي.
وناقشت لولوة المنصوري ضحالة توثيق المفردات الإماراتية في كتب الرحالة الغربيين وأسباب ذلك. وتناول مني بو نعامة فضاء "مجالس الشيوخ" كما وردت في كتابات الرحالة تحت عنوان "توثيق مجالس الشيوخ في كتابات الرحالة: قراءة في فضاءات التراث الإماراتي"، وقدّم صديق جوهر قراءة مقارنة لصورة المجتمع الإماراتي في كتابي "الرمال العربية" لثيسيغر و"بحارة الإمارات".
وتناول مروان محمد الفلاسي التراث الإماراتي في مدونات الرحالة من خلال مقاربات توثيقية وتحليلية، فيما قدّم الأمير كمال فرج قراءة أنثروبولوجية لحياة الإمارات اليومية من خلال رحلات ويلفريد ثيسيغر.
واختتمت أماني محمد ناصر الملف بدراسة بعنوان "حين يكتب الرحالة عن السدو والعريش والمجلس: قراءة في التراث الإماراتي الموثق".
التراث والذكاء الاصطناعي
وفي موضوعات العدد، يواصل عبد الفتاح صبري حديثه عن "العزلة في صمت الطرق على الباب"، كما تناولت شرينة عبد الرحمن الظاهري "النخلة الإماراتية" كإرث ثقافي ومورد مستدام للبناء والعزل، وأجرت الدكتورة أماني إبراهيم ياسين حواراً خاصاً مع الفنانة نجاة مكي حول أسرار عملات مليحة التاريخية.
واستعرض ضياء الدين الحفناوي تجربة "ستوكهولم والتراث الإسكندنافي بين التاريخ والحداثة"، ووثّق محمد عبد العزيز السقا "الرحلة اليابانية 1909م" للأمير محمد علي باشا وصورة اليابان مطلع القرن العشرين. وناقشت موزة الكعبي إمكانات "التراث الإماراتي والذكاء الاصطناعي التوليدي".
ورصدت وضحى حمدان الغريبي تمثلات التراث الشعبي في الفن التشكيلي الإماراتي المعاصر، وكتبت عن "السدود الإماراتية: من الرمز التراثي إلى التعبير الفني"، وتناولت نجلاء الزعابي نجم "سهيل" بين العلم وأنثروبولوجيا الأمثال الشعبية الإماراتية، وسلّطت الضوء على "المقيظ في الإمارات: رحلة التحول الموسمي للثقافة والهوية".
كما شارك خليل عيليوني ذكرياته في "صقور تطلق بعد القنص.. وذكريات لا تنسى"، وسلطت عائشة علي الغيص الضوء على "المكان في الذاكرة الشعبية الإماراتية: فضاءات الحنين في رحلات المقيظ"، وكتبت عن "الوفاء في مواجهة الطمع". وقدم أحمد جمال صادق عرضاً لـ"متحف زايد الوطني: أجنحة التاريخ في فضاء المستقبل".
وناقشت لولوة المنصوري "التعليم والتراث الثقافي.. عندما يتحول الشغف إلى منهج"، واستعرض أحمد حسين حميدان كتاب أحمد راشد ثاني "على الباب موجة" ودوره في استحضار الذاكرة الشعبية، فيما أضاء شريف مصطفى محمد على مكانة التراث الإماراتي باعتباره رمزاً عالمياً عبر التسويق الرقمي، وقارنت نورة صابر المزروعي بين "المسرح والتراث" من خلال التجربة الهندية.
قراءة تاريخية
وفي موضوعات أخرى من العدد، تناول علي تهامي موضوع "الموال في الخليج" من التعبير الشعبي إلى توثيق معاناة الغوص، وسلط محمد محمد عيسى الضوء على "القرم الإماراتي: تراث مستدام وأمل مناخي".
بينما قدمت مريم سلطان المزروعي قراءة تاريخية واجتماعية للمساكن الشعبية في فكر الشيخ زايد التنموي، ووثّقت فاطمة المنصوري "مهرجان العين لسباقات الهجن" كذاكرة تتجدد في ميدان الشعر. وسلط هشام أزكيض الضوء على صفحات من تاريخ وتراث الظفرة من خلال شخصية علي أحمد الكندي.
يُذكر أن مجلة "تراث" هي مجلة تراثية ثقافية متنوعة، تصدر عن هيئة أبوظبي للتراث، وتعد منصة إعلامية تختص بإبراز جماليات التراث الإماراتي والعربي الإسلامي، في إطار سعيها لأن تكون نزهة بصرية وفكرية، تلتقط من حدائق التراث الغناء ما يليق بمصافحة عيون القراء.