الجمعة 12 ديسمبر 2025 / 00:15
قال البروفيسور أندرو لاثام، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ماكاليستر وزميل غير مقيم في مؤسسة "ديفينس برايوريتز" البحثية الأمريكية، إن الخصم الأخطر الذي يواجه الولايات المتحدة اليوم لا يحمل علم الصين ولا روسيا، بل يتجسد في عبء الدين العام المتراكم الذي يقترب من مستوى 100% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأضاف الكاتب في مقاله بموقع مجلة "ناشونال سيكيورتي جورنال"، أن الدين تحول من مشكلة اقتصادية إلى قيد استراتيجي يضغط على قرارات واشنطن قبل أن تبدأ أي أزمة فعلية.
وأوضح أن ارتفاع كلفة الفوائد إلى ما يقارب تريليون دولار سنوياً أصبح يزاحم ميزانية الدفاع، ويضعف القدرة العسكرية والصناعية للولايات المتحدة في مرحلة تتطلب ثباتاً ومتانة طويلة المدى لمواجهة الصين وروسيا.
الديون: الخصم الجديد
أوضح الكاتب أن واشنطن تميل دائماً إلى التركيز على الخصوم التقليديين: الصين تبني الأساطيل البحرية، وروسيا تحدّث ترسانتها النووية، وإيران تزعزع الاستقرار الإقليمي.
لكن الخطر الأكبر، برأي الكاتب، يكمن داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث يتضخم الدين العام ليصل إلى38 تريليون دولار، وهو ما يعيد صياغة حدود القوة الأمريكية.
وقال الكاتب إن الديون لا تؤدي إلى انهيار مفاجئ للدول الكبرى، بل تؤدي إلى تآكل بطيء في القدرة الاستراتيجية، وتحويل القرارات الكبرى إلى رهائن لاعتبارات التمويل.

الديون كجاذبية استراتيجية
أوضح الكاتب أن واشنطن، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، تصرفت وكأن القيود المالية اختيارية، فخاضت الحروب بالاقتراض، وأدارت الأزمات بالتمويل الطارئ، وأجّلت الإصلاحات البنيوية.
وأضاف لاثام أن الدين اليوم لا يهدد بانهيار مالي، لكنه يعمل كقوة جذب تسحب الموارد من المستقبل إلى الماضي. فالفوائد السنوية التي تقارب ميزانية الدفاع نفسها، تؤدي إلى تقليص الإنفاق العسكري، والحد من الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، وتراجع القدرة على بناء قوة رادعة ومتماسكة.
وتابع الكاتب أن المنافسة مع الصين وروسيا ليست معركة قصيرة بل صراع أجيال، وهذه المنافسة تحتاج ثباتاً مالياً أصبحت واشنطن تفتقده شيئاً فشيئاً.

الجيش تحت الضغط
وأوضح الكاتب أن الدين لا يؤدي إلى انهيار الجيش الأمريكي، لكنه يضعه أمام قرارات قاسية تشمل تأجيل برامج التسليح، وخفض التدريب، وإطالة أعمار المعدات.
وأضاف أن الميل السياسي لتجنب القرارات المكلفة يؤدي إلى تمديد عمر المنظومات القديمة، وتأجيل تحديث الأساطيل، وضعف القدرة على التجديد السريع أو التكيف مع الأزمات.
وقال الكاتب: "الديون لا تنزع السلاح من واشنطن، لكنها تقلص هامش المناورة وتضاعف ثمن الأخطاء الاستراتيجية". وهو ما تعرفه الصين جيداً، وتستغله روسيا عبر رهانات طويلة المدى.
معركة تزيد الانقسام
أشار الكاتب إلى أن الدين لا يضغط فقط على الاقتصاد، بل يعمّق الاستقطاب السياسي. فكل التزام خارجي يصبح مع الوقت بنداً مثيراً للجدل في ميزانية مشحونة بالتوترات.
وأضاف الكاتب أن هذا الواقع يخلق مفارقة؛ من جهة، يدعو الدين إلى سياسة ضبط النفس وتركيز الموارد على الأولويات. ومن جهة أخرى، يعرقل الانقسام السياسي القدرة على ممارسة هذا الضبط بشكل مدروس.
وتابع الكاتب قائلاً إن الخصوم الدوليين يراهنون على هذا الارتباك؛ فروسيا تتوقع أن تنهار وحدة الغرب بسبب التوتر المالي، والصين تراهن على تباطؤ واشنطن وانشغالها بصراعات داخلية.

التهديد الخفي للصناعة الدفاعية
أوضح الكاتب أن المواجهة مع الصين ليست سباق منصات فحسب، بل سباق قدرة إنتاجية. لكن الدين يضعف القاعدة الصناعية الأمريكية عبر تقليص الإنتاج، وتقادم القوى العاملة، وتأخر سلاسل التوريد، والتركيز على الكفاءة بدلاً من القدرة على القتال المستمر.
وأضاف الكاتب أن المنافسين، رغم محدودية مواردهم، يعوضون عبر الاستمرارية والحشد طويل الأمد.
معركة أمريكا الصامتة
اختتم البروفيسور أندرو لاثام مقاله قائلاً إن الدين لا يعني سقوط القوة الأمريكية، لكنه يفرض نوعاً مختلفاً من القوة قائم على الانضباط والاختيار لا التوسع والهيمنة.
وأضاف الكاتب أن الصين وروسيا ستستغلان كل لحظة تردد مالي أمريكي، لكن التهديد الأكبر يكمن في نزيف الخيارات الذي تسببه الديون، وفي فقدان واشنطن تدريجياً لحرية الحركة الاستراتيجية.
وأكد الكاتب أن المعركة الحقيقية لن تدور فقط في شرق آسيا أو أوروبا، بل في لجان الموازنة وفي قرارات صناعية طويلة المدى، حيث تتحدد قدرة أمريكا على أن تبقى قوة عالمية قادرة على تشكيل النظام الدولي بدلاً من الاكتفاء بإدارته.