محتجون في إيران (أرشيف)
الخميس 22 يناير 2026 / 00:35
كان طالب الفنون أرش يسير عائداً إلى منزله في شوارع طهران، عندما أنهت رصاصة من بندقية حياته، رغم أنه لم يهتف بأي شعارات أو انضم إلى صفوف المتظاهرين، أو أبدى أي شكل من أشكال الاحتجاج.
وروى أحد أصدقائه عبر الهاتف من العاصمة الإيرانية تفاصيل مقتل أرش بصوت يكسوه الحزن، وقال إن أرش سقط على الفور بلا حراك على الرصيف، وأنه كان في الـ22 من العمر. وقال الصديق، الذي طلب حجب هويته خوفاً على سلامته، إنهما توقفا على الرصيف، لمتابعة احتجاج في ساحة ونك القريبة عندما وصلت قوات الأمن بزيها الأسود، وبدأت في إطلاق النار عشوائياً على المتظاهرين.
كان مقتل أرش في 8 يناير (كانون الثاني) مثالاً على ما يقول قتلى إنهم بات واقعاً في أحدث موجة احتجاجات مناهضة للحكومة في البلاد، حيث وجد مارة لا علاقة لهم بالاضطرابات أنفسهم في مرمى النيران، أو لقوا حتفهم خلال محاولتهم الفرار من الفوضى.
ولم يتسن لرويترز التحقق بصورة مستقلة من هذه الرواية، أو من تقارير مماثلة من قتلى عن وفيات خلال حملة السلطات لقمع الاضطرابات، ولم يتسن تحديد عدد القتلى المدنيين الذين لم يشاركوا في الاحتجاجات لكنهم سقطوا بعد إطلاق النار قرب مواقع التظاهر.
لكن روايات العائلات والقتلى تشير إلى أن القوة العشوائية التي استخدمتها قوات الأمن لقمع الاضطرابات أسفرت عن مقتل كثير من المدنيين الذين لم يشاركوا، ما ترك العائلات تبحث في المستشفيات والمشارح ومراكز الاحتجاز عن إجابات.
ولم يتسن التواصل مع المسؤولين في إيران للتعليق على الوفيات الواردة في هذا التقرير، إذ بدأت السلطات في حجب خدمات الهاتف، والإنترنت منذ 8 يناير (كانون الثاني) عندما اتسعت رقعة الاحتجاجات في أنحاء البلاد. واعتباراً من 13 يناير (كانون الثاني)، أصبح بإمكان الإيرانيين إجراء مكالمات هاتفية دولية صادرة، في حين لا تزال المكالمات الواردة محظورة.
ولم ترد بعد بعثتا إيران لدى الأمم المتحدة في جنيف ونيويورك على طلبات التعقيب المرسلة إليهما. وحملت السلطات مسؤولية الاضطرابات والوفيات "للإرهابيين ومثيري الشغب" المدعومين من المعارضين خارج البلاد وأطراف خارجية معادية هي الولايات المتحدة وإسرائيل". وبث التلفزيون الرسمي لقطات لمقرات الشرطة والمباني الحكومية المحترقة ومساجد وبنوك لحقت بها أضرار بالغة قالت إنها تعرضت لهجمات من "الإرهابيين ومثيري الشغب".
وقالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان "هرانا"، من الولايات المتحدة، أنها تحققت حتى الآن من مقتل 4519 إيرانياً في الاضطرابات، منهم 4251 متظاهراً، و197 من الأمن، و35 دون 18 عاماً، و38 من المارة الذين قالت إنهم ليسوا متظاهرين ولا من الأمن.
وتراجع هرانا 9049 وفاة إضافية. وقال مسؤول إيراني لرويترز، إن عدد القتلى المؤكد حتى يوم الأحد بلغ أكثر من 5آلاف قتيل، منهم 500 من قوات الأمن. وذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية الأربعاء أن هيئة أمنية في وزارة الداخلية قدرت عدد قتلى الاضطرابات بـ 3117.
وبدأت الاحتجاجات في 28 ديسمبر (كانون الأول) بمظاهرات محدودة في بازار طهران الكبير بسبب المصاعب الاقتصادية، سرعان ما امتدت في أنحاء البلاد.
إطلاق نار عشوائي
في غضون أيام، طالبت الحشود في المدن والبلدات بإنهاء حكم رجال الدين، وعرض التلفزيون الرسمي لقطات لمن وصفهم بـ "مثيري الشغب" يحرقون صور الزعيم الأعلى علي خامنئي. وقالت منظمة العفو الدولية في تقرير إنها وثقت إطلاق قوات الأمن في الشوارع وفوق أسطح مبان سكنية، ومساجد ومراكز للشرطة، النار على نحو متكرر من بنادق آلية، وبنادق الخرطوش، وغالباً ما كانوا يصوبون على رؤوس، وأجساد عُزل.
3117 قتيلاً..إيران تعلن الحصيلة الرسمية لضحايا الاحتجاجات - موقع 24أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني، أول حصيلة رسمية للوفيات بعد الاحتجاجات الأخيرة، مشيراً إلى سقوط 3177 قتيلاً في المظاهرات التي بدأت في 28 ديسمبر(كانون الأول) الجاري.
وأضافت المنظمة أن الأدلة تشير إلى تصعيد منسق في البلاد في استخدام قوات الأمن غير المشروع للقوة المميتة ضد المتظاهرين السلميين في الغالب منذ مساء ا8 يناير (كانون الثاني).
وشكلت الاضطرابات أحد أخطر التهديدات للمؤسسة الدينية الحاكمة منذ سنوات، إذ هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراراً بالتدخل إذا استمر قتل المتظاهرين في الشوارع أو إذا أعدموا. وأشارت السلطة القضائية الإيرانية إلى إمكانية تنفيذ أحكام إعدام المعتقلين خلال الاحتجاجات.
وذكرت روايات عديدة من داخل إيران، بما في ذلك إفادات آخرين غادروا البلاد، أن قوات الأمن أطلقت الذخيرة الحية عشوائياً، لتحول الشوارع، لا سيما في 8و9 يناير (كانون الثاني)، إلى ما شبهه قتلى بمناطق حرب. وكان بين الضحايا الفتاة فريبا، 16 عاماً التي وصفتها والدتها منيجة بمفعمة بالحياة. وفي إحدى الليالي خرجت برفقة والدتها لمشاهدة الاحتجاجات، عندما هاجم عناصر الأمن على دراجات نارية المتظاهرين.
قتلوا طفلتي
أمسكت منيجة يد ابنتها واحتمت بسيارة متوقفة، وسط إطلاق النار. وفي حالة الذعر التي تلت ذلك، أفلتت قبضتها وانفصلت الأم عن ابنتها. وسردت منيجة الأحداث عبر الهاتف وهي تبكي: "بحثت في شارع تلو آخر وأنا أصرخ باسمها... اختفت". وفي تلك الليلة، بحثت العائلة في مراكز الشرطة والمستشفيات. وعثروا على فريبا بعد يومين داخل كيس أسود في مركز الطب الشرعي، في كهريزك جنوب طهران، وكانت مصابة بطلق ناري في القلب وجسدها بارد.
وأخبر المسؤولون العائلة بأن "إرهابيين" قتلوها. وقالت الأم: "لا، كنت هناك في تلك الليلة. فتحت قوات الأمن النار على الناس. قتلوا طفلتي". وأظهرت مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لقطات لعائلات تبحث عن أقاربها بين مئات أكياس الجثث في المشارح، ومركز كهريزك. وتحققت رويترز من أن موقع مقاطع الفيديو هو مركز كهريزك، لكن لم يتسن التحقق من هوية الذين ظهروا فيه، ومن تاريخ تصوير مقاطع الفيديو.
وقال طبيب غادر إيران في 14 يناير (كانون الثاني) إن المستشفيات مكتظة بضحايا الطلقات النارية. وفي مدينة كرج، غربي طهران، أكد أحد السكان استخدام قوات الأمن البنادق الآلية ضد المتظاهرين والمارة في 8 يناير (كانون الثاني).ووردت روايات مماثلة من مدينة كرمانشاه غرب البلاد حيث استخدم الحرس الثوري المركبات المدرعة والدبابات لسحق المظاهرات.
حطموا الأبواب وشتمونا
وفي أصفهان، قال شقيق رجل، 43 عاماً، إنه حمل جثة شقيقه الغارقة في الدماء، بعد أن أطلقت قوات الأمن النار عليه. وقال مسعود، 38 عاماً، في اتصال هاتفي: "لم يفعل شيئاً سوى إيواء المتظاهرين المراهقين الفارين في متجره". ومثل غيره من الإيرانيين الذين أجريت معهم مقابلات لإعداد هذا التقرير، طلب مسعود حجب اسمه الكامل خشية الانتقام.
وفي حالة أخرى، أمضت عائلة نسترن، وهي معلمة في مدرسة ابتدائية في طهران، 28 عاماً، أياماً في البحث عنها بعدما لم تعد من زيارة إحدى الأقارب في 9 يناير (كانون الثاني). وعثروا على جثتها في مستودع قرب طهران. وقال والد نسترن إن قوات الأمن أطلقت النار عليها. وأضاف أن السلطات لم تسمح بتسليمهم الجثة إلا بشرط دفنها في مسقط رأس العائلة في وسط إيران، وضغطت عليهم لتحميل المسؤولية "للإرهابيين"، وهو ما رفضه الأقارب.
وقالت عائلة أخرى في مدينة رشت شمال البلاد، إن قوات الأمن اقتحمت شقتها بعد أن رصدت ابنتها سيبيده،33 عاماً، تشاهد الاحتجاجات من النافذة. وقال شقيقها مرتضى: "حطموا الأبواب وهم يوجهون السباب إلينا ويصرخون. احتجزوها. لا نعرف أين هي". وأضاف "يبكي طفلا شقيقتي الصغيران عليها، وهدد زوجها بالاعتقال إذا استمر في البحث عنها".