مخبز "ماشينكا" في روسيا (إكس)
مخبز "ماشينكا" في روسيا (إكس)
الخميس 26 فبراير 2026 / 14:20

خباز يتحوّل إلى رمز أزمة الاقتصاد الروسي بعد الحرب الأوكرانية

تحوّل دينيس ماكسيموف، الخباز المعروف في ضواحي موسكو، إلى رمز للأزمة التي بدأت تضرب الاقتصاد الروسي، بعد 4 سنوات من الحرب في أوكرانيا. 

فقصته، التي انتشرت عبر هاشتاق "#WeAreMashenka" على منصات التواصل الاجتماعي الروسية، عكست معاناة الآلاف من أصحاب المشاريع الصغيرة، من الضرائب الجديدة وارتفاع الأسعار وأسعار الفائدة، حتى كاد مخبزه "ماشينكا" يعلن إفلاسه.

وفي 19 ديسمبر (كانون الأول) 2025، وجّه ماكسيموف (48 عاماً) حديثه مباشرة إلى الرئيس فلاديمير بوتين خلال فعالية "الخط المباشر" السنوية. وخلال الحدث، بدا أن الرئيس يكتشف للمرة الأولى حجم الضغوط التي تواجهها الشركات الصغيرة، بسبب الأعباء الضريبية.

عجز متفاقم وضرائب أعلى

وكشف تقرير لصحيفة "لوموند" الفرنسية، أن روسيا تواجه عجزاً متزايداً في الموازنة يُتوقع أن يتجاوز 3.5%، وربما 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، في ظل ارتفاع الإنفاق الدفاعي بنسبة 30% خلال الفترة 2025-2027، ليستهلك نحو 40% من إجمالي الإنفاق العام. 

وفي المقابل، تراجعت عائدات النفط والغاز (العمود الفقري للاقتصاد الروسي) نتيجة انخفاض الأسعار العالمية، والعقوبات الغربية التي أجبرت موسكو على بيع مواردها بخصومات كبيرة.

ولتعويض النقص، رفعت الحكومة الضرائب على الشركات في 2025، وطبقت نظاماً تصاعدياً لضريبة الدخل، قبل أن تدخل حزمة جديدة من الزيادات الضريبية حيّز التنفيذ مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي، شملت رفع ضريبة القيمة المضافة من 20% إلى 22%، وإلغاء بعض الإعفاءات، وفرض متطلبات محاسبية أكثر تفصيلاً، ما أثقل كاهل المشاريع الصغيرة ورواد الأعمال الأفراد.

ركود اقتصادي

ورغم أن الاقتصاد الروسي أظهر مرونة خلال السنوات الأولى من الحرب، مدعوماً بالصناعات العسكرية والالتفاف على العقوبات، فإن النمو بدأ يتباطأ بوضوح. فبعد تسجيل نمو يقارب 4% في عامي 2023 و2024، لم يتجاوز النمو 1% في 2025.

وتوقّع صندوق النقد الدولي نمواً لا يتعدى 0.8% في 2026، محذراً من احتمال دخول الاقتصاد في ركود تقني. كما تراجعت مبيعات السيارات الجديدة بنسبة 38% خلال 2025، واستمر الانخفاض منذ مطلع العام، في مؤشر على ضعف الاستهلاك.

وفي 19 يونيو (حزيران) 2025، قال وزير الاقتصاد الروسي مكسيم ريشتنيكوف إن "البلاد على حافة الركود"، إلا أن بوتين نفى في اليوم التالي أي احتمال لدخول الاقتصاد في انكماش.

إنفوغراف| روسيا تتصدر قائمة الدول الأكثر تعرضاً للعقوبات - موقع 24تتصدر روسيا قائمة الدول الأكثر تعرضاً للعقوبات الاقتصادية عالمياً خلال 2025، حيث تخضع لأكثر من 16 ألف إجراء فردي تشمل تجميد الأصول، وقيوداً مصرفية، وضوابط على الصادرات، وحظر الطيران، ومنع الشحن، وقيوداً على قطاع الطاقة.

العقوبات.. "سم بطيء"

ووفق "لوموند"، يرى خبراء أن العقوبات المالية الغربية تعمل كـ"سم بطيء". وقال الخبير الاقتصادي الروسي المنفي أندريه ياكوفليف: إن "المشكلة الجوهرية تكمن في الركود وتراجع ثقة المستثمرين والمستهلكين، ما يؤدي إلى انخفاض الاستثمار والاستهلاك".

كما أبقى البنك المركزي الروسي، سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بلغت نحو 20% لمكافحة التضخم، قبل أن يخفضه إلى 15.5% في فبراير (شباط) الجاري، وهو مستوى لا يزال مرتفعاً بما يكفي لإعاقة الاستثمار العقاري وتمويل الأعمال. 

ونتيجة لذلك، ارتفعت تكاليف الاقتراض إلى 18-19% للقروض غير المدعومة من الدولة، ما زاد من مخاطر التعثر.

من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي لوران فايل، من جامعة ساينس بو، أن "القطاع المصرفي يبدو متماسكاً بفضل أرباح البنوك الحكومية الكبرى، لكنه يعتمد بشكل متزايد على دعم الدولة، في وقت تتراجع فيه آفاق النمو".

قطاعات تتراجع 

ونتيجة للوضع الاقتصادي الذي وصلت إليه موسكو، بدأت عدة صناعات خفض الإنتاج واعتماد نظام 4 أيام عمل أسبوعياً. 

وتراجع نقل البضائع بالسكك الحديدية، فيما يعاني قطاع الفحم من ارتفاع التكاليف وهبوط الأسعار، كما يواجه قطاع الصلب ضعف الطلب، وتضررت صناعة الأخشاب بعد فقدان الأسواق الأوروبية.

وفي المقابل، واصلت موسكو رفع إنفاقها العسكري ليبلغ نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

بين الواقع والخطاب الرسمي

ورغم تدخل الكرملين لإنقاذ مخبز "ماشينكا" بعد مداخلة ماكسيموف، فإن آلاف المشاريع الأخرى من مخابز وصالونات ومقاهٍ، أغلقت أبوابها أو رفعت أسعارها لتعويض ضريبة القيمة المضافة الأعلى. 

وتنتشر لافتات "للإيجار" في مدن روسية عدة، في مؤشر على تزايد الإغلاقات.

كيف ينجو الاقتصاد الروسي المحاصر من الانهيار؟ - موقع 24قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، مؤخراً مستخدماً استعارة لوصف مسار الحرب الروسية الأوكرانية: "نحن في سباق، إلى متى يمكن للجيش الأوكراني الصمود مقابل إلى متى يمكن للاقتصاد الروسي أن يصمد؟".

وبين الخطاب الرسمي الذي يؤكد متانة الاقتصاد، والواقع اليومي الذي يعكس تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، يبدو أن نموذج "اقتصاد الحرب" الذي دعم روسيا في السنوات الأولى، بدأ يفقد زخمه، مع دخول البلاد مرحلة ركود قد تطول، ما لم تُعالج الاختلالات الهيكلية في الموازنة والاستثمار.