الدولار الأمريكي وسبيكة ذهبية (رويترز)
الأربعاء 4 مارس 2026 / 11:58
في الوقت الذي كان فيه كثير من المستثمرين يتوقعون صعوداً قوياً للذهب والفضة، مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، جاءت حركة الأسواق بعكس هذا السيناريو التقليدي.
وسجل الدولار الأمريكي ارتفاعاً ملحوظاً أمام العملات الرئيسية، بينما تراجعت أسعار المعدنين الثمينين، في مشهد يعكس تحولات أعمق في مزاج المستثمرين وأولوياتهم.
وتقليدياً، تُعتبر الحروب والتوترات الجيوسياسية محفزاً مباشراً لارتفاع الذهب، باعتباره ملاذاً آمناً يحتمي به المستثمرون في أوقات عدم اليقين، غير أن ما حدث هذه المرة يشير إلى أن "الملاذ الآمن" لم يعد حكراً على المعدن الأصفر، بل بات الدولار نفسه في صدارة الخيارات الدفاعية.
سعر الأسواق
وبلغ سعر الذهب الفوري، اليوم الأربعاء، 5138 دولاراً للأونصة منخفضاً بأكثر من 200 دولار بما يعادل 3.5%، أما في سوق العقود الآجلة، فتراجعت الأسعار إلى 5200 دولار للأونصة.
وفي المقابل بدت خسائر الفضة أعمق، إذ هبطت الأسعار الفورية إلى 83.5270 دولاراً منخفضة 5.8315 دولارات بما يعادل 6.53%، مع تراجع أسبوعي بنحو 4.55%.
من جانب آخر، ارتفع مؤشر الدولار إلى 99.075 نقطة بزيادة 0.75%، وبمكسب أسبوعي 1.33%، مما يعكس عودة الطلب على السيولة الدولارية باعتبارها ملاذاً قصير الأجل في ذروة الاضطراب.
أزمة سيولة
ومع تصاعد المخاطر، اتجهت رؤوس الأموال سريعاً نحو الأصول الأعلى سيولة، وعلى رأسها الدولار وسندات الخزانة الأمريكية.
وفي أوقات الأزمات الحادة، لا يبحث المستثمر فقط عن الأمان، بل عن القدرة على التحرك السريع وتسييل الأصول عند الحاجة. وهنا يتفوق الدولار، باعتباره العملة الاحتياطية العالمية، والمدعوم بأكبر سوق سندات في العالم.
وبحسب التقارير، فإن ارتفاع الطلب على السندات الأمريكية دفع عوائدها إلى مستويات مرتفعة نسبياً، ما عزّز جاذبية الاحتفاظ بالدولار.
في المقابل، لا يوفر الذهب أو الفضة أي عائد دوري، ما يجعل الاحتفاظ بهما أقل إغراء عندما ترتفع الفائدة.
وقال الخبير الاقتصادي مدحت نافع عبر صفحته الشخصية على موقع فيسبوك، إن المفارقة التي لا ينتبه إليها كثيرون أن الذهب والذي يعتبر الملاذ الآمن الأشهر عند زيادة حدة عدم اليقين، وقد يكون أول ما يُباع عند الذعر الحقيقي.
وأوضح في منشور له عبر موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك "إن القاعدة الشائعة تقول إن الذهب هو الدرع الواقي وقت الأزمات، وهذا صحيح في الظروف العادية، لكن حين تنهار سوق الأسهم والسندات بشدة، ويتعرض المستثمرون لما يُعرف بنداءات الهامش، أي مطالبات فورية بتوفير سيولة نقدية لتغطية مراكزهم المكشوفة، تتغير الأولويات".

قوة العوائد تضغط على المعادن
وبرزت العلاقة العكسية بين الذهب وعوائد السندات، بوضوح خلال الأيام الأخيرة. فكلما ارتفعت العوائد، زادت تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب. والمستثمر الذي يستطيع تحقيق عائد مضمون من السندات، قد يفضّلها على أصل لا يدر دخلاً.
كما أن ارتفاع الدولار يجعل شراء الذهب أكثر تكلفة لحاملي العملات الأخرى، وهو ما يضغط على الطلب العالمي ويزيد من وتيرة التراجع السعري.
ورغم التقلبات، لا تزال بعض المؤسسات المالية الكبرى تبقي على توقعات مرتفعة للذهب على المدى المتوسط، فبنك "جي بي مورغان" يتوقع أن يدفع الطلب من البنوك المركزية والمستثمرين الذهب إلى 6300 دولار للأونصة بحلول نهاية 2026، مع ترجيح وصول مشتريات البنوك المركزية إلى 800 طن في إطار تنويع الاحتياطيات.
الذهب والفضة والبيتكوين.. أيهم يحمل "طوق النجاة" لأموالك في ظل التوترات الراهنة؟ - موقع 24تتسارع دقات قلوب المستثمرين في عام 2026، وسط تزايد المخاوف من حدوث هزات في الأسواق العالمية قد تعيد تشكيل خارطة الثروات، فبينما يهرع الجميع لحماية مدخراتهم، يبرز السؤال الوجودي في عالم المال: من سيصمد حين تهب العاصفة؟ هل هو الذهب الذي يحمل إرث آلاف السنين؟ أم الفضة التي تلعب على حبلين؟ أم ...
السياسة النقدية في قلب المعادلة
وتترقب الأسواق أيضاً مسار السياسة النقدية الأمريكية. فالمخاوف من استمرار التضخم، خاصة إذا أدت التوترات إلى ارتفاع أسعار الطاقة، قد تدفع إلى تأجيل أي خفض لأسعار الفائدة. وتعني هذه التوقعات بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو عامل يصب في مصلحة الدولار ويضغط على الذهب.

وبعبارة أخرى، الحرب قد ترفع المخاطر، لكنها في الوقت نفسه قد تعزز توقعات التشدد النقدي، ما يخلق معادلة معقدة لا تصب بالضرورة في صالح المعادن.
وفي حين يُنظر إلى الذهب كملاذ آمن بامتياز، فإن الفضة تحمل بُعداً صناعياً مهماً، إذ تدخل في العديد من التطبيقات الصناعية والتكنولوجية. ولذلك، فإن أي مخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي تضغط على الطلب الصناعي للفضة، ما يفسر تراجعها بنسبة أكبر من الذهب في بعض الجلسات.
الصراع في الشرق الأوسط يدفع الاقتصاد العالمي إلى "المجهول" - موقع 24حذر خبراء اقتصاديون من أن التضخم قد يرتفع، والنمو الاقتصادي قد يتباطأ في جميع أنحاء العالم، إذا استمر الصراع في الشرق الأوسط.
مشهد مختلف
ما تكشفه تحركات الأسواق الحالية، هو أن العلاقة التقليدية بين الحروب وارتفاع الذهب لم تعد تلقائية كما في السابق، فالعوامل النقدية، وقوة الدولار، ومستويات العائد، باتت تلعب دوراً حاسماً يفوق أحياناً أثر المخاطر الجيوسياسية.
وبينما تستمر التطورات الميدانية، تبقى الأسواق في حالة ترقب، إذ إن أي تحول في مسار السياسة النقدية أو في حدة التصعيد قد يعيد رسم خريطة التدفقات الاستثمارية من جديد.
وحتى ذلك الحين، يبدو أن الدولار يتصدر المشهد، فيما تواجه المعادن الثمينة اختباراً صعباً في بيئة مالية أكثر تعقيداً من مجرد معادلة "الحرب تساوي ذهباً أعلى".