أبوظبي
السبت 16 مايو 2026 / 20:37
تشهد الطفرة العمرانية في دولة الإمارات تحولاً جذرياً نحو مفهوم الاستدامة البيئية، كركيزة أساسية لتحقيق الاستراتيجية الوطنية للحياد المناخي 2050.
ويأتي التدشين الأخير لمبنى "الشراع" التابع لهيئة كهرباء ومياه دبي، ليعكس مدى التطور الهائل الذي وصلت إليه الدولة في دمج تقنيات الطاقة المتجددة بالذكاء الاصطناعي، خاصة أن هذا الإنجاز لا ينعزل عن سياق ممتد من المبادرات والمشاريع العملاقة والأنظمة التشريعية التي جعلت من الإمارات مرجعاً دولياً في قطاع البناء الصديق للبيئة.
أيقونة العمارة المستدامة
يمثل مبنى الشراع، المقر الرئيسي الجديد لهيئة كهرباء ومياه دبي في منطقة الجداف، والذي صُنف كأعلى وأكبر وأذكي مبنى حكومي إيجابي الطاقة في العالم، قفزة نوعية في مفهوم المباني صديقة البيئة، حيث يدمج بين التصميم المستدام وأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتتلخص أبرز مواصفاته الفنية في جانبين:
- الاعتماد الكامل على الطاقة المتجددة: يتم توليد الطاقة في المبنى عبر نظامين رئيسيين من الألواح الكهروضوئية الشمسية والألواح المدمجة في جدران وسقف المبنى، بقدرة إنتاجية إجمالية تصل إلى 5 ميغاوات، ما يضمن للمبنى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة، بل وتصدير الفائض لشبكة الكهرباء العامة في بعض الأوقات.
- الذكاء الاصطناعي وإدارة العمليات الذاتية: المبنى ليس مجرد هيكل خرساني مستدام، بل هو "عقل مفكر" يحتوي على أكثر من 110 آلاف مستشعر ذكي لمراقبة الإضاءة، الحرارة، وجودة الهواء، إلى جانب 1,500 نقطة وصول لاسلكية و 3,200 جهاز شبكي، تنتج أكثر من 1.9 مليون عملية تحكم آلي يومياً، مما يضمن كفاءة استهلاك الطاقة والمياه بنسبة 100% دون تدخل بشري دائم.

منظومة المباني الخضراء
لا يتحرك قطاع البناء في الإمارات بشكل عشوائي، بل يستند إلى معايير عالمية ومحلية صارمة لضمان الاستدامة، ومن أبرزها:
نظام "سعفات" في دبي:
نظام تقييم المباني الخضراء الذي يفرض معايير صارمة لتقليل استهلاك الطاقة والمياه، ويشجع على استخدام مواد بناء صديقة للبيئة ومُعاد تدويرها في كافة المشاريع الجديدة.
وتنقسم السعفات إلى أربع فئات هي " البرونزية و الفضية و الذهبية والبلاتينية "، إذ يعد تطبيق معايير السعفة البرونزية إلزاميا لجميع الملاك والمستثمرين والمطورين فيما سيتم تشجيعهم على تطبيق مزيد من المعايير ووضعها موضع التنفيذ للحصول على تصنيفات النظام المتقدمة الأخرى .
نظام "استدامة" وبرنامج "اللؤلؤ" في أبوظبي:
إطار عمل شامل يضمن تطوير مجتمعات ومبانٍ مستدامة بناءً على أربعة ركائز أساسية وهي البيئية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية.
ويهدف نظام "استدامة" للتقييم بدرجات اللؤلؤ إلى تقييم المباني بناء على المتطلبات التي تم تطبيقها عليها، وبدرجة لؤلؤتين على الأقل على المشاريع ذات التمويل الحكومي، ولؤلؤة واحدة على الأقل للمشاريع ذات التمويل الخاص، وهو ما يعد شرطاً أساسياً للحصول على رخصة البناء.
ويؤدي تطبيق هذا النظام إلى زيادة العمر الافتراضي للمباني، وتقليل تكاليفها التشغيلية، بالإضافة إلى تقليل الأثر السلبي على البيئة، خصوصاً وأن قطاع البناء يتسبب في إنتاج 40% من الغازات الدفيئة سنوياً.
اللائحة الوطنية للمباني الخضراء:
مبادرة اتحادية تهدف لتشريع وتوحيد المواصفات القياسية على مستوى الدولة بالكامل لتقليل البصمة الكربونية لقطاع الإنشاءات، وتوفير استهلاك الطاقة والمياه، فضلاً عن تقليل النفايات، وضمان جودة المباني وملاءمتها للبيئة، بما يُسهم في تحقيق استراتيجية الإمارات للطاقة للعام 2050، واستراتيجية الأمن المائي للعام 2036.
نماذج رائدة للمدن والمباني المستدامة
إلى جانب "مبنى الشراع"، تمتلك الإمارات سجلاً حافلاً بالمشاريع الصديقة للبيئة التي أصبحت مزارات ودروساً في الهندسة المستدامة، ومنها:
المدينة المستدامة في دبي: أول مجتمع متكامل وصديق للبيئة في الشرق الأوسط يوفر حياة صحية مستدامة منخفضة الانبعاثات الكربونية وتعتمد على الطاقة النظيفة المُنتجة من الألواح الشمسية.

- مدينة مصدر في أبوظبي: تعد واحدة من أكثر المجتمعات الحضرية استدامة في العالم، حيث تعتمد بالكامل على الطاقة المتجددة، وتتميز بتصاميم معمارية فريدة للممرات والشوارع توفر تبريداً طبيعياً يقلل الحاجة للمكيفات التقليدية.

- مجمع محمد بن راشد للطاقة الشمسية: ويضم مركز الابتكار ومباني إدارية متكاملة مصممة بأعلى معايير كفاءة الطاقة النظيفة والتبريد عالي الكفاءة، ليكون مركزاً بحثياً وتطبيقياً في آن واحد.

- مدرسة "سابيس الدولية: تبنّت هذه المدرسة في جزيرة ياس نهج الاستدامة ضمن مبانيها ومبادرتها لتعزيز ثقافة الاستدامة بين الطلاب، وقد نالت شهادة "لييد" الذهبية لريادتها في تصميم أنظمة الطاقة وحماية البيئة.

- مبنى المسافرين (A) في مطار أبو ظبي الدولي: يعد نموذجاً متطوراً في العمارة المستدامة، حيث يطبق أرقى الممارسات البيئية المبتكرة لرفع كفاءة الطاقة والحد من البصمة البيئية للعمليات الملاحية.

- مسجد الريان - حتّا: أول مسجد مستدام يحصل على التصنيف البلاتيني، ويدعم توجه دبي نحو الحياد الكربوني؛ حيث شُيد بمواد معاد تدويرها وزُوّد بنظام تنقية هواء يعمل بالطاقة النظيفة.

- TwoFour54: يعتمد المقر الجديد للمنطقة الإبداعية - ياس، التابعة للمنطقة الإعلامية الحرة twofour54 تقنيات ذكية لترشيد استهلاك الطاقة وتقليل الأثر البيئي، مع توفير بيئة عمل صحية ومستدامة تدعم رفاهية المبدعين.

- مركز الشيخ زايد لعلوم الصحراء: تحفة معمارية في حديقة العين للحيوانات، استُخدم في بنائه مواد معاد تدويرها بنسبة 80%، وتغطي ألواح الطاقة الشمسية أكثر من نصف احتياجاته الكهربائية.
