رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام مقر الحكومة في داونينغ ستريت (أ ف ب)
الثلاثاء 19 مايو 2026 / 21:43
وصفت شبكة "سي بي إس نيوز" مبنى رئاسة الوزراء البريطاني في "داونينغ ستريت" بصالة الانتظار التي يغادرها الساكنون قبل إفراغ حقائبهم بعد أن ظل هذا المقر له تاريخ طويل من الحكم الاستراتيجي على مدار قرون.
وقال تحليل للشبكة الأمريكية "إن التاريخ يذكر أن "وينستون تشرشل" أدار الحرب العالمية من هذا المبنى لقرابة عقد، وأن مارغريت تاتشر شكلت وجه بريطانيا الحديثة من خلف جدرانه على مدار 12 عاماً، فإن المشهد الراهن يبدو سريالياً؛ 6 رؤساء وزراء تعاقبوا على المقر منذ عام 2016، أربعة منهم جراء المقصلة السياسية خلال أربع سنوات فقط. واليوم، يلوح في الأفق شبح الساكن السابع.
هندسة النظام
وأوضح التقرير أن الناخب في المملكة المتحدة لا يمنح صوته لرئيس الحكومة مباشرة كما في النظام الرئاسي الأمريكي، بل ينتخب ممثل دائرته المحلي في مجلس العموم. والحزب الذي يحوز الأغلبية، يُسند لزعيمه مفتاح "داونينغ ستريت".
وهذه الآلية تمنح الأحزاب البريطانية سلطة "الإطاحة الداخلية"؛ فإذا فقد الزعيم حتى لو كان رئيساً للوزراء ثقة نواب حزبه، يسقط تلقائياً عن عرش الحزب والحكومة معاً، دون الحاجة للعودة إلى صناديق الاقتراع العامة. وهذا الثقب في جدار الاستقرار يتيح استبدال القيادات سريعاً، لكنه يترك البلاد في دوامة من " الفوضوي".
ويرى المحللون أن حجر الدومينو الأول سقط في صيف 2016، عندما شرّع ديفيد كاميرون أبواب الجحيم السياسي باستفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت). حيث راهن كاميرون على بقاء بريطانيا وخسر الرهان، فكان أول المغادرين لداونينغ ستريت.
وأشار التقرير إلى أن البريكست كان زلزالاً أعاد تشكيل الخارطة الجينية للأحزاب البريطانية، حيث تحول حزب المحافظين من حزب النخبة ورجال الأعمال التقليديين إلى تيار شعبوي يغاز أصوات القوميين، كما تحول حزب العمال من قطاع واسع له قاعدته التقليدية (الطبقة العاملة) التي انحازت لخيار المغادرة.
وبدأت سلسلة المغادرة من رئيس الوزراء السابقة تيريزا ماي (2016-2019) التي عجزت عن إدارة شروط الطلاق مع بروكسل وسط انقسامات حزبها، ثم بوريس جونسون (2019-2022)، ثم ليز تراس (2022): صاحبة الرقم القياسي كأقصر عهد في التاريخ البريطاني (45 يوماً)، بعدما فجرت ميزانيتها "المصغرة" وتخفيضاتها الضريبية غير المدروسة الأسواق المالية والرهون العقارية.
وأخيراً ريشي سوناك (2022-2024): ورث تركة مثقلة، وحاول لجم أزمة تكلفة المعيشة دون جدوى، ليعلن الشارع البريطاني في صيف 2024 انتهاء 14 عاماً من حكم المحافظين
سقوط مبكر لكير ستارمر
وفي يوليو (تموز) 2024، ظن حزب العمال أن زلزال الانتخابات الذي قادهم لأغلبية ساحقة سيمنحهم استقراراً طويلاً. لكن بعد أقل من عامين، يبدو أن حكومة كير ستارمير بدأت تترنح تحت وطأة التوترات الداخلية، وغياب الرؤية الاقتصادية، والفضائح الدبلوماسية المرتبطة بتعيين شخصيات مثيرة للجدل في مناصب حساسة.
وجاءت الانتخابات المحلية الأخيرة بمثابة "الزلزال التحذيري"، حيث تعرض حزب العمال إلى خسائر كارثية تشبه إلى حد كبير "انتخابات التجديد النصفي" الأمريكية، وبدأ الاستقالات تتدفق من داخل الحزب.
صعود اليمين الجديد
وأشار التقرير إلى أن المستفيد الأكبر من هذه الأزمة السياسية ليس حزب المحافظين فقط، بل هو نايغل فاراج، أحد مهندسي البريكست والحليف الأيديولوجي لدونالد ترامب، وإذا نجح حزب "إصلاح المملكة المتحدة" (Reform UK) بقيادة فاراج في اختراق المشهد التقليدي، متموقعاً كبديل وحيد لشارع بريطاني سئم وعود الحزبين الكبيرين.
وبموجب القانون، يستطيع ستارمير الصمود حتى أغسطس(آب) 2029 قبل الدعوة لانتخابات عامة، لكن الضغط الداخلي قد يجبره على التنحي لصالح زعيم عمالي آخر، مما سيفجر موجة عارمة تطالب بانتخابات مبكرة.