ضحية لفيروس إيبولا في الكونغو
الجمعة 5 يونيو 2026 / 21:00
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية تحقيقاً مطولاً يكشف كيف تحولت مناجم الذهب في بلدة مونغبوالو النائية بجمهورية الكونغو الديمقراطية إلى بؤرة لتفشي فيروس "الإيبولا" المدمر.
وأوضحت الصحيفة أن التعدين، الذي كان شريان الحياة للبلدة لعقود طويلة، بات يغذي انتشار المرض، حيث يتجاهل عمال المناجم مخاطر الوباء سعياً وراء لقمة العيش، وسط غياب العلاج الفعال، وانتشار الشائعات، وانعدام الثقة في الفرق الطبية.
وبحسب "نيويورك تايمز"، فر الشاب مومبيري سعيدي (27 عاماً) من هجمات الجماعات المسلحة إلى مناجم الذهب في شمال شرق الكونغو، قاطعاً 200 ميل عبر واحدة من أخطر مناطق الحرب في إفريقيا بحثاً عن الأمان والعمل، لكنه لقي حتفه الأسبوع الماضي داخل منزله على يد "عدو خفي"، حيث نقل عمال الصليب الأحمر جثته بعد إصابته بـ"الإيبولا".

وأشارت الصحيفة إلى أن الذهب يجذب الباحثين عن العمل من جميع أنحاء الكونغو وخارجها، مما جعل مونغبوالو مركزاً لثالث أكبر تفش مسجل للمرض.
تفش صامت وفيروس بلا علاج
ويعتقد الخبراء، وفقاً للصحيفة، أن التفشي بدأ في البلدة في وقت مبكر من شهر فبراير (شباط)، لكن السلطات لم تكتشفه حتى 15 مايو (أيار)، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن المسبب هو سلالة "بونديبوجيو" الأقل شهرة والتي لا يوجد علاج لها.
وبحلول وقت إعلان الأزمة، كان الفيروس قد انتشر لأسابيع بين عمال المناجم الذين يعملون في ظروف قاسية ويتاجرون بالذهب عبر الحدود، مما أدى إلى وفاة أكثر من 80 شخصاً قبل اكتشاف الوباء، في حين يُشتبه في وفاة نحو 300 شخص حتى الآن.

تاريخ من الاستغلال وإغراء المال
ولفتت الصحيفة إلى أن مونغبوالو تجسد مأساة وفرة الموارد في الكونغو، فقد افتتح المستعمرون البلجيكيون أولى مناجمها قبل قرن باستخدام السخرة، وتلت ذلك دورات من الفساد والصراع، حيث قُتل ما لا يقل عن 2000 مدني بين عامي 2002 و2003.
واليوم، يغذي اقتصاد الذهب تدفق العمال والتجار والمهربين، ورغم الوفيات، يواصل العمال غربلة الرواسب وخلطها بالزئبق بأيديهم العارية، ونقلت الصحيفة عن العامل جيديون أبيمانا قوله إنه يجني ما بين 136 و272 دولاراً أسبوعياً، وهو مبلغ ضخم في الريف الكونغولي، مضيفاً: "ماذا يمكننا أن نفعل؟ ليس لدينا خيار سوى العمل".
استثمارات مستمرة وسط الكارثة
وأوضحت "نيويورك تايمز" أنه مع اقتراب أسعار الذهب من مستويات تاريخية، يبقى الحافز لمواصلة التعدين قوياً، وإلى جانب المناجم غير الرسمية، يدير مشغلون صينيون مصانع شبه صناعية، فيما أعلنت شركة "هورايزون" البريطانية العام الماضي عن بناء مصنع كبير، حيث صرح أحد مديريها التنفيذيين قائلاً: "لم نأتِ إلى هنا لقضاء خمس سنوات في الدراسة.. لقد جئنا لنبني".
ورغم اتخاذ بعض قادة المناجم المحلية إجراءات وقائية بسيطة، إلا أن الحياة تسير كالمعتاد، حيث تظل النوادي الليلية مفتوحة بالقرب من مقر إقامة مسؤولي منظمة الصحة العالمية، ويتحدث العمال تحت أشجار مليئة بخفافيش الفاكهة التي تُعد خزاناً طبيعياً للفيروس.

شائعات وانعدام ثقة
وأشارت الصحيفة إلى أن التحدي الأكبر، كما صرح وزير الصحة الكونغولي، ليس نشر الفرق الطبية، بل إقناع المجتمعات باتباع التدابير الصحية.
ويعتقد العديد من عمال المناجم أن "الإيبولا" إما غير موجود، أو أنه مجرد حيلة لجمع الأموال ابتكرها الأطباء، ونقلت الصحيفة عن مسؤول محلي قوله إن هناك شائعات مجنونة تنتشر بأن المرضى يُحقنون بالسم في المستشفيات، وتجلت هذه الأزمة عندما اقتحم جندي يحمل سكيناً المستشفى مهدداً الطاقم الطبي بعد وفاة ابنه بالفيروس.
واختتمت الصحيفة بلقاء مع إحدى القيادات المحلية التي شككت في وجود الفيروس، قائلة بحذر: "سمعت عنه، لكن لكي أؤمن به حقاً، يجب أن أراه أولاً".