الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال تصريحات سابقة على الطائرة الرئاسية (رويترز)
الأحد 7 يونيو 2026 / 12:26
نجح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إرساء نمط غير تقليدي لإدارة الاقتصاد عبر ما يُعرف بـ "الضغط الشفهي"، وهو الأسلوب غير الرسمي الذي تستخدمه البنوك المركزية والحكومات لتوجيه القرارات الاقتصادية، مبرهناً لأسواق المال والنفط العالمية أن المراهنة ضد تصريحات البيت الأبيض باتت مغامرة محفوفة بالخسائر.
تحجيم صعود النفط
وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن هذه الآلية تجلت بوضوح في تداولات أسواق الطاقة الأخيرة، فبينما دفعت التقارير الجيوسياسية حول تعليق المحادثات الإيرانية-الأمريكية أسعار النفط للصعود بمقدار 3 دولارات للبرميل، نجحت "تدوينات" الرئيس ترامب والتي تحدث فيها عن تراجع التصعيد في لبنان وتسارع المحادثات مع طهران في محو تلك المكاسب وسحب دولار ونصف من سعر البرميل في غضون دقائق، بغض النظر عن الحقائق على الأرض.
ويرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية الحالية نجحت في تقويض معنويات "المتداولين المتفائلين بالصعود"، حيث تسببت هذه التقلبات الحادة والمفاجئة الناتجة عن التصريحات الرئاسية في إحجام المضاربين عن اتخاذ مراكز شراء طويلة الأجل خوفاً من تكبد خسائر فادحة أو التعرض لطلبات "تغطية الهامش"، مما خلق ما يسمى بـ "خصم المخاطر" في العقود الآجلة للنفط، لتتداول بأسعار تقل بنحو 30 دولاراً عن أسعار النفط الفعلي في بعض الفترات.
وبحلول نهاية الأسبوع، كان حزب الله وإسرائيل لا يزالان يتبادلان إطلاق النار، ولم تسفر المحادثات مع إيران عن أي اتفاق. ومع ذلك، عززت هذه الحادثة نمطاً قائماً طوال فترة الحرب، فمن خلال التدخلات الكلامية "الشفهية"، نجح ترامب مراراً وتكراراً في كبح جماح أسعار النفط ليس عن طريق إعادة تدفقات النفط، بل عبر تكبيد الخسائر لأولئك الذين يراهنون على أنه لن ينجح في ذلك.
ولا يقتصر الأمر على النفط وحده، فقد دفع ترامب ومسؤولوه الأسهم، وأسعار الفائدة، والعملات الأجنبية، والتمويل العقاري نحو الاتجاه الذي يريدونه. وهم لا يقولون بالضرورة إنهم يستهدفون السوق، لكن هذا هو ما يفترضه المستثمرون.
تغيير نهج الأسواق
وكان الرؤساء السابقون يرون أن وظيفتهم تتلخص في تحقيق الركائز الأساسية للاقتصاد وترك الأسواق وشأنها. وكان التدخل يقتصر عموماً على حالات الطوارئ: مثل السحب من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي أثناء الاضطرابات الجيوسياسية، أو تنظيم خطة إنقاذ مالي وسط أزمة مالية، أو الانضمام إلى الحلفاء لاستقرار أسواق العملات.
أما ترامب ومسؤولوه فهم أكثر هوساً بالأسواق ولديهم رغبة واضحة في توجيهها. فقد قامت وزارة الخزانة، بتوجيه من الوزير سكوت بيسنت بشراء البيزو لدعم الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي قبل انتخابات تشريعية حاسمة العام الماضي. وفي يناير(كانون الثاني)، ألمحت الوزارة إلى أنها قد تشتري الين الذي كان يتعرض لضغوط هبوطية شديدة، مما أدى إلى انتعاش العملتين.
وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أمر ترامب مؤسستي "فاني مي" و"فريدي ماك" بشراء أوراق مالية مدعومة بالرهن العقاري بقيمة 200 مليار دولار في محاولة لخفض أسعار الفائدة على التمويل العقاري، لتنخفض عوائد هذه الأوراق المادية على الفور بمقدار 10 نقط مئوية.
وقد يختلف المستثمرون مع ترامب بشأن اتجاه الأسواق، لكن لا يمكنهم تجاهله. فالرئيس الأمريكي يمكنه إيقاف الحروب أو إشعالها، وضخ مليارات الدولارات من الأموال العامة في الأسواق، والإطاحة برؤساء دول أجنبية. ومجرد وجود هذا الاحتمال يجعل المراهنة ضده أمراً خطيراً.
وفي هذا السياق، يقول جيم ريتربوش، الذي يدير شركته الخاصة للاستشارات التجارية في مجال النفط: "يتعين على السوق أن يفترض أنه يمتلك معلومات لا يملكها عامة الناس".
ووفقاً لريتربوش، بعد اشتعال الحرب بين روسيا وأوكرانيا في أوائل عام 2022، ارتفعت نسبة مراكز الشراء الطويلة إلى مراكز البيع القصيرة إلى مستوى تاريخي بلغ 7 أضعاف.
ورغم أن الحرب مع إيران تسببت في سحب كميات أكبر بكثير من النفط من السوق، إلا أن نسبة مراكز الشراء إلى البيع ارتفعت إلى 4 فقط، وهبطت منذ ذلك الحين إلى 2.7، بحسب ريتربوش الذي أضاف "المضاربون باتوا مترددين في الدخول كفريق مشترٍ" خوفاً من أن تؤدي تغريدة أو تصريح من ترامب إلى هبوط الأسعار.
من جانبه، يقول إيليا بوتشويف، الذي كان يدير تداول المشتقات المالية لصالح شركة "كوخ غلوبال بارتنرز" والزميل البحثي الأقدم في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة: "الجميع متفائلون بالصعود، لكن لا أحد يملك مراكز شراء طويلة، ولقد تمكنت الإدارة بطريقة ما من تدمير معنويات المتفائلين بالصعود".
ويوضح بوتشويف أن بعض صناديق التحوط تضطر للبيع عندما ينخفض السعر بنسبة 5%، ولن يخاطروا بشراء النفط "عندما يمكن لتغريدة واحدة أن تهبط بالسوق بنسبة 10%.
ولا تتحرك العقود الآجلة بالتوازي التام مع أسعار النفط الفعلي، لكن سوق العقود الآجلة أكبر بكثير. ويقدر بوتشويف أن حجم تداول العقود الآجلة وخيارات النفط في بورصة إنتركونتيننتال يبلغ نحو 40 ضعف الاستهلاك اليومي للنفط، وهو أكثر حساسية للمشاعر والمعنويات.
وقد تكون وعود ترامب المتكررة بإنهاء الحرب سريعاً هي السبب في أن أسعار العقود الآجلة كانت أقل بنحو 30 دولاراً من أسعار النفط الفعلي في أبريل(نيسان) الماضي.
وتقلصت هذه الفجوة منذ ذلك الحين، مما يشير إلى أن العوامل الأساسية - مثل انخفاض الواردات الصينية وزيادة الصادرات الفنزويلية هي السبب وراء عدم قفز الأسعار. ومع ذلك، حتى لو لم يكن بالإمكان قياس حجم تدخلات ترامب رقمياً، فإن أثرها لا يمكن إنكاره.
وينطبق الأمر نفسه على أسعار الفائدة. فبينما ارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل هذا العام، فإن الزيادة كانت صغيرة نسبياً مقارنة بالقوى التي تدفعها نحو الارتفاع: مثل هجمات ترامب على استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، والتضخم العنيد، وعجز الموازنة الضخم. وقد يكون أسلوب ترامب في "الضغط الشفهي" هو السبب وراء ذلك.
وغالباً ما يدعي النقاد أن ترامب يترك نفسه عرضة للتلاعب من قبل الأسواق، فقد أعلن عن رسوم جمركية حادة في أبريل(نيسان) من العام الماضي، ثم تراجع عنها بعد تراجع الأسهم. وأصبح شعار وول ستريت الساخر هو "ترامب يتراجع دائماً - Trump Always Chickens Out" والمعروف بالاسم المختصر " تاكو - TACO".