الإثنين 8 يونيو 2026 / 14:34
في وقت تتجه فيه الاستثمارات العالمية بوتيرة متسارعة نحو المشاريع المستدامة والتقنيات منخفضة الانبعاثات، نجحت الإمارات في ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات الإقليمية للاقتصاد الأخضر، عبر مزيج من الاستثمارات الضخمة والتشريعات الداعمة والرؤية طويلة الأجل التي تستهدف تحويل الاستدامة إلى محرك للنمو الاقتصادي وجذب رؤوس الأموال العالمية.
ولم يعد الاقتصاد الأخضر في الإمارات مجرد خيار بيئي أو استجابة لمتطلبات التغير المناخي، بل أصبح إحدى الأدوات الاقتصادية الرئيسية لتعزيز التنافسية واستقطاب الاستثمارات النوعية وتنويع مصادر الدخل، في ظل تحولات عالمية تدفع المستثمرين والمؤسسات المالية إلى البحث عن أسواق تمتلك خططاً واضحة للتحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
استثمارات مبكرة
ويعود جانب مهم من هذا النجاح إلى الرهان المبكر على الطاقة المتجددة، إذ تأسست شركة "مصدر" عام 2006 في وقت كانت فيه الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة لا تزال في مراحلها الأولى، واليوم أصبحت الشركة واحدة من أكبر مطوري ومشغلي مشاريع الطاقة المتجددة في العالم، مع محفظة وصلت إلى 65 غيغاواط واستثمارات تجاوزت 45 مليار دولار، فيما تستهدف الوصول إلى 100 غيغاواط بحلول عام 2030، مع خطط لاستثمار ما بين 30 و35 مليار دولار إضافية في رأس المال وتمويل المشروعات.
ويرى محللون أن هذه الاستثمارات المبكرة منحت الإمارات أفضلية تنافسية مهمة، إذ ساهمت في بناء خبرات متراكمة وشبكات شراكات عالمية عززت قدرة الدولة على الاستفادة من النمو المتسارع لقطاع الطاقة النظيفة، في وقت لا تزال فيه العديد من الدول تعمل على بناء قواعدها الاستثمارية في هذا المجال.
الإمارات.. كيف تتحول الأزمات إلى محركات للنمو العقاري والاستثماري؟ - موقع 24في ظل تقلبات اقتصادية عالمية متسارعة، من أزمات مالية وجائحة عالمية إلى تشدد في السياسات النقدية وارتفاع كلفة التمويل، تبرز التجربة الإماراتية في القطاع العقاري بوصفها نموذجاً يقوم على "إدارة الأزمة عبر إعادة تصميم السوق" لا الاكتفاء بامتصاص الصدمات.
مشاريع تجذب المستثمرين
ولا تقتصر استراتيجية الإمارات على المشاريع المحلية فقط، بل تشمل شراكات عالمية ضخمة تعكس الثقة الدولية المتزايدة بالشركات الإماراتية، ففي 2026 أعلنت "مصدر" وشركة TotalEnergies تأسيس مشروع مشترك بقيمة 2.2 مليار دولار في قطاع الطاقة المتجددة، يتخذ من أبوظبي مقراً له ويغطي مشاريع في عدة دول آسيوية.
ويؤكد هذا النوع من الشراكات أن الإمارات لم تعد مجرد سوق للاستثمارات الخضراء، بل أصبحت منصة لتصدير الخبرات ورؤوس الأموال والمشاريع المستدامة إلى الأسواق العالمية، وهو ما يعزز مكانتها في سلاسل القيمة المرتبطة بالتحول الطاقي العالمي.
بنية تحتية تدعم النمو
وفي الداخل، تواصل الإمارات توسيع استثماراتها في الطاقة النظيفة، إذ أعلنت شركة مياه وكهرباء الإمارات و"مصدر" خارطة طريق لتطوير أكثر من 30 غيغاواط من الطاقة الشمسية وأكثر من 8 غيغاواط من أنظمة تخزين الطاقة، في خطوة تستهدف دعم النمو الصناعي وتعزيز أمن الطاقة وتحقيق أهداف الحياد المناخي.
كما تواصل دبي تطوير مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، الذي يعد من أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في العالم، مع خطط لرفع قدرته إلى أكثر من 8000 ميغاواط بحلول عام 2030.
ويرى خبراء أن هذه المشاريع لا تقتصر آثارها على قطاع الطاقة فقط، بل تشكل بنية تحتية اقتصادية تدعم جذب الاستثمارات الصناعية والتكنولوجية التي تبحث عن مصادر طاقة مستقرة ونظيفة، ما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
تمويل مستدام
وإلى جانب مشاريع الطاقة، عملت الإمارات على تطوير قطاع التمويل المستدام، الذي يعد من أسرع القطاعات نمواً عالمياً، ويقود سوق أبوظبي العالمي جهود بناء مركز إقليمي للتمويل المستدام من خلال أطر تنظيمية تشمل السندات والصكوك الخضراء وصناديق الاستثمار المستدامة، ما يعزز قدرة الدولة على استقطاب رؤوس الأموال الباحثة عن استثمارات متوافقة مع معايير الاستدامة.
وتكتسب هذه الجهود أهمية متزايدة في ظل التوجه العالمي المتنامي نحو ربط قرارات التمويل والاستثمار بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، الأمر الذي يمنح الأسواق القادرة على توفير هذه الأطر التنظيمية فرصاً أكبر لجذب التدفقات المالية الدولية.
الجهاز المصرفي الإماراتي يعزز صدارته الإقليمية بـ1.51 تريليون دولار - موقع 24حافظ الجهاز المصرفي الإماراتي على صدارة بنوك الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حيث حجم الأصول، بعدما بلغت موجوداته 1.51 تريليون دولار بنهاية أبريل (نيسان) 2026.
أفضلية تنافسية
وفي هذا السياق، قال المتخصص في الشأن الاقتصادي وريادة الأعمال مأمون أبوالعز، في تصريح لـ 24، إن "الاقتصاد الأخضر تحول خلال السنوات الأخيرة من ملف بيئي إلى قطاع اقتصادي عالمي تتنافس الدول على استقطاب استثماراته"، مشيراً إلى أن الإمارات كانت من أوائل الدول في المنطقة التي أدركت هذه التحولات وعملت على بناء بيئة استثمارية قادرة على جذب رؤوس الأموال المرتبطة بالطاقة النظيفة والاستدامة.
وأضاف أن المستثمر العالمي لم يعد ينظر فقط إلى حجم السوق أو العائد المالي، بل بات يركز أيضاً على معايير الاستدامة والحوكمة والاقتصاد منخفض الكربون، وهو ما يمنح الإمارات أفضلية تنافسية بفضل مشاريعها الكبرى في الطاقة المتجددة والتمويل المستدام والبنية التحتية الخضراء، الأمر الذي يعزز قدرتها على جذب الاستثمارات النوعية خلال السنوات المقبلة.
مبادرات تعزز الثقة
ولم تقتصر جهود الإمارات على إطلاق مشاريع الطاقة النظيفة، بل عملت على بناء منظومة متكاملة تدعم الاقتصاد الأخضر عبر استراتيجيات وتشريعات طويلة الأمد عززت ثقة المستثمرين المحليين والدوليين، من أبرزها "استراتيجية الإمارات للطاقة 2050" و"المبادرة الاستراتيجية لتحقيق الحياد المناخي 2050"، اللتان تستهدفان تسريع التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة وتعزيز استدامة النمو الاقتصادي.
وضمن هذا المسار، تستهدف "استراتيجية الإمارات للطاقة 2050" مضاعفة مساهمة الطاقة المتجددة ثلاث مرات بحلول 2030، مع توقعات بضخ استثمارات وطنية تتراوح بين 150 و200 مليار درهم لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
وأوضح أبوالعز أن الاستثمارات الخضراء أصبحت اليوم من أسرع فئات الاستثمار نمواً على مستوى العالم، إذ تتجه الصناديق الاستثمارية والمؤسسات المالية الكبرى بشكل متزايد نحو الأسواق التي تمتلك خططاً واضحة للتحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون.
وأشار إلى أن الإمارات نجحت في ترسيخ مكانتها ضمن هذه الأسواق بفضل الرؤية الحكومية الواضحة واستثماراتها المبكرة في الطاقة المتجددة وتطويرها لأطر تنظيمية وتشريعية تدعم الاستدامة على المدى الطويل.
ونوه إلى أن ما يميز التجربة الإماراتية هو قدرتها على الربط بين الأهداف البيئية والعوائد الاقتصادية، إذ لم يُنظر إلى الاقتصاد الأخضر باعتباره التزاماً بيئياً فقط، بل كفرصة لجذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا والشركات العالمية.
وأكد الخبير الاقتصادي أن هذا التوجه يسهم في تعزيز التنويع الاقتصادي وخلق قطاعات جديدة للنمو، ويزيد من جاذبية الدولة للمستثمرين الذين يبحثون عن أسواق مستقرة تمتلك رؤية واضحة لمتطلبات الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
سباق على استثمارات المستقبل
ويجمع مراقبون على أن المنافسة العالمية على الاستثمارات الخضراء ستزداد حدة خلال السنوات المقبلة مع تسارع التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون، إلا أن الإمارات تبدو في موقع متقدم للاستفادة من هذه التحولات بفضل استثماراتها المبكرة ورؤيتها الاستراتيجية وشبكة مشاريعها المحلية والعالمية.
ومع استمرار التوسع في الطاقة المتجددة والتمويل المستدام والبنية التحتية الخضراء، لا تكتفي الإمارات بمواكبة التحول العالمي، بل تسعى إلى أن تكون من الدول التي تقوده، عبر تحويل الاستدامة إلى رافعة اقتصادية تعزز النمو وتجذب رؤوس الأموال وترسخ مكانة الدولة كمركز عالمي للاستثمار في اقتصاد المستقبل.