صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
السبت 13 يونيو 2026 / 16:21

من الخردة إلى الطاقة النظيفة.. كيف تتحوّل السيارات القديمة إلى ثروة خضراء؟

تحوّلت السيارات القديمة في أوروبا من مجرد هياكل مهملة في ساحات الخردة إلى مصدر استراتيجي للمواد الخام والطاقة النظيفة، في إطار توجه متسارع نحو الاقتصاد الدائري يهدف إلى تقليل النفايات وخفض الاعتماد على الموارد الطبيعية الجديدة.

ومع تزايد أعداد المركبات الكهربائية وتشديد القوانين البيئية، أصبحت المركبات الخارجة من الخدمة تمثل ثروة خضراء قادرة على دعم صناعات المستقبل وتعزيز أمن الطاقة والمواد الحيوية.

مقابر السيارات تتحول إلى مناجم حضرية

لم تعد ساحات السيارات التالفة يُنظر إليها باعتبارها مكبات للنفايات، بل باتت تُعامل كمخازن ضخمة للموارد القابلة للاستغلال، حيث وضع الاتحاد الأوروبي أهدافاً طموحة تقضي بإعادة استخدام أو تدوير 85% من مكونات المركبات المنتهية الصلاحية، مع استرداد ما يصل إلى 95% من إجمالي المواد بطرق مختلفة.

ويعكس هذا التوجه تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة النفايات الصناعية، إذ أصبح التركيز منصباً على استعادة القيمة الاقتصادية الكامنة داخل المركبات بدلاً من التخلص منها. وترى الشركات العاملة في هذا المجال أن السيارات القديمة تمثل "مناجم حضرية" تحتوي على موارد سبق استخراجها ومعالجتها، ما يجعل إعادة استخدامها أكثر جدوى بيئية واقتصادية من استخراج مواد خام جديدة.

وتدير شركة "The Future is NEUTRAL"، التابعة لمجموعة رينو وشركة SUEZ، شبكة تتعامل سنوياً مع نحو 425 ألف مركبة منتهية العمر التشغيلي، وتنتج ما يقرب من 9 ملايين قطعة معاد استخدامها، و350 ألف قطعة مجددة، إضافة إلى أكثر من مليوني طن من المواد المستردة.

البطاريات.. الكنز الأكثر قيمة

تمثل البطاريات اليوم العنصر الأكثر أهمية وتعقيداً في السيارات الكهربائية الخارجة من الخدمة؛ فمع التوسع السريع في استخدام المركبات الكهربائية، أصبحت البطاريات مصدراً رئيسياً لمعادن استراتيجية مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل، وهي مواد تعتمد أوروبا بشكل كبير على استيرادها.

وتتجه الصناعة إلى مسارين رئيسيين للاستفادة من البطاريات المستعملة؛ الأول يتمثل في إعادة توظيفها كوحدات لتخزين الطاقة الثابتة لدعم مشاريع الطاقة المتجددة، بينما يركز الثاني على إعادة تدويرها لاستخراج المعادن الحيوية وإعادتها إلى سلاسل الإنتاج.

وتكتسب هذه العملية أهمية تتجاوز البعد البيئي، إذ أصبحت مرتبطة بأمن الإمدادات الصناعية والتنافس الجيوسياسي العالمي على الموارد النادرة اللازمة لاقتصاد الطاقة النظيفة.

إعادة الاستخدام تتفوق على إعادة التدوير

رغم أهمية إعادة التدوير، فإن خبراء الاقتصاد الدائري يرون أن إعادة استخدام المكونات مباشرة توفر مكاسب بيئية أكبر؛ فإطالة عمر القطعة دون صهرها أو معالجتها كيميائياً يحد من استهلاك الطاقة ويخفض الانبعاثات الكربونية بشكل ملحوظ.

وتشمل المكونات القابلة لإعادة الاستخدام أجزاء ميكانيكية وهياكل خارجية ووحدات إلكترونية وأجهزة استشعار وحواسيب داخلية. كما شهدت السوق الفرنسية نمواً قوياً في الطلب على هذه القطع خلال السنوات الخمس الماضية، مدفوعة بانخفاض أسعارها بنسبة تتراوح بين 50% و70% مقارنة بالقطع الجديدة.

إلى جانب ذلك، يبرز مفهوم "إعادة التصنيع" كحل وسط بين إعادة الاستخدام وإعادة التدوير، ففي هذه العملية يتم تفكيك القطعة بالكامل وتنظيفها وفحصها واستبدال الأجزاء التالفة قبل إعادة تجميعها واختبارها وفق معايير صناعية صارمة.

والنتيجة منتج يتمتع بأداء وضمان مماثلين للمنتج الجديد، لكن بتكلفة أقل تصل إلى 30% وبصمة كربونية أدنى بكثير.

تحديات تعرقل الاقتصاد الدائري

على الرغم من الفرص الكبيرة التي يوفرها هذا القطاع، فإن توسيع نطاقه يواجه عقبات عديدة، فجمع ملايين المركبات الموزعة جغرافياً ونقلها وفرزها وتخزينها وإعادة تسويق مكوناتها يتطلب بنية لوجستية واسعة النطاق لضمان الجدوى الاقتصادية.

كما تواجه صناعة تدوير البطاريات تحديات إضافية بسبب اختلاف التقنيات الكيميائية والتصميمات المستخدمة بين الشركات المصنعة، ما يصعب عمليات الفرز والمعالجة الموحدة. 

إضافة إلى ذلك، لا تزال أعداد كبيرة من السيارات المتداولة حالياً غير مصممة لتسهيل التفكيك أو إعادة التدوير، ما يزيد من تعقيد عمليات الاستفادة من مكوناتها.

ورغم أن التشريعات الأوروبية الجديدة تدفع الشركات المصنعة نحو اعتماد مبادئ التصميم الدائري، فإن تأثير هذه التغييرات سيحتاج إلى سنوات حتى ينعكس بشكل كامل على أسطول المركبات العامل حالياً.