6 قوى ترسم مستقبل الاقتصاد الأزرق
الثلاثاء 16 يونيو 2026 / 10:47
تواجه البيئة البحرية العالمية تحولاً استراتيجياً متسارعاً مع تحول المحيطات من مجرد ملفات بيئية تقليدية إلى محور رئيسي للأمن القومي والسياسة الخارجية للدول الكبرى؛ فمع ذوبان الجليد في القطب الشمالي وتغير خطوط الملاحة الدولية، دخلت البحار قلب التنافس الجيوسياسي، وباتت اتفاقيات الصيد ومشاريع الطاقة البحرية تُناقش جنباً إلى جنب مع معاهدات الدفاع والشراكات التجارية الاقتصادية.
وفي هذا الصدد، أوضح تقرير حديث صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان "الاقتصاد الأزرق المتجدد" أن المفهوم التقليدي لـ "الاستدامة" القائم على تقليل الضرر البيئي لم يعد كافياً؛ حيث يتجه العالم اليوم نحو "اقتصاد متجدد" يهدف إلى إعادة بناء الأنظمة البيئية والمخزونات السمكية بنشاط، وتوليد قيمة اقتصادية مستدامة للمجتمعات الساحلية والسكان الأصليين الذين يواجهون التبعات الأشد للأزمة المناخية.
3 عوامل إيجابية تسرّع إنقاذ المحيطات
ورصد التقرير ثلاثة عوامل رئيسية تدفع العالم نحو هذا الاقتصاد الجديد:
- الاعتراف بالمحيطات كحليف مناخي وسياسي: أدركت الدول أن المحيط ليس مجرد ضحية للاحتباس الحراري، بل هو الحل الأقوى له، وقد دفعت أزمة الطاقة دولاً في أوروبا وآسيا إلى التوسع بسرعة في توليد طاقة الرياح من البحار، كما بدأت الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية بوضع قوانين صارمة لحماية التنوع البيئي ومنع الصيد غير القانوني.
- ثورة التكنولوجيا المتاحة: انخفضت تكاليف مراقبة البحار بشكل كبير، وأصبح بإمكان الصيادين المحليين في الجزر النائية استخدام الأقمار الصناعية، والطائرات المسيرة، والذكاء الاصطناعي لكشف سفن الصيد غير القانوني فوراً وتوثيقها بدقة تفوق حرس السواحل، بالإضافة إلى انتشار قوارب الصيد الكهربائية وأجهزة التبريد التي تعمل بالطاقة الشمسية.
- تطور القروض والمساعدات المالية: بدأت تظهر أدوات مالية جديدة مثل "السندات الزرقاء" (وهي قروض تأخذها الدول من مستثمرين بشرط ألّا تُصرف إلا في مشاريع تحمي البحر والأسماك)، ومشاريع "إسقاط الديون مقابل حماية البيئة"، وهي آليات تتيح للدول النامية والساحلية الحصول على تمويلات ومساعدات من مؤسسات دولية ومستثمرين خواص لاستثمارها في تنظيف المحيطات وإعادة إحياء الشواطئ.
3 عقبات تهدد بوقف هذا التقدم
في المقابل، حذر التقرير من ثلاثة تحديات خطيرة قد تفسد هذه الجهود:
- الخلافات السياسية الدولية: يمر العالم بفترة صعبة من تراجع التعاون الدولي؛ فالخلافات السياسية (مثل المعارضة الأمريكية لبعض القوانين البيئية) تهدد بتعطيل خطط خفض الانبعاثات في قطاع الشحن البحري، كما أن الصراع على ثروات القطب الشمالي والتعدين في أعماق البحار يهدد التحالفات الدولية التي تحمي المحيطات.
- الوصول إلى خطوط حمراء بيئية: تقترب المحيطات من درجات حرارة حرجة؛ فإذا ارتفعت حرارة الأرض درجتين، ستموت معظم الشعاب المرجانية في العالم، وتشير التوقعات إلى أن القطب الشمالي قد يشهد أول صيف خالٍ تماماً من الجليد في ثلاثينيات هذا القرن، مما يدفع الأسماك للهجرة ويضرب مصدر رزق ملايين الصيادين.
- هروب الأموال والتمويل الزائف: تعاني المشاريع البحرية من نقص حقيقي في التمويل؛ فالعديد من "السندات الزرقاء" تُستغل كشعار بيئي زائف لإعادة سداد ديون قديمة لا علاقة لها بالطبيعة. وزاد الأمر سوءاً بعد انسحاب بنوك عالمية كبرى من تحالفات الممارسات البيئية (مثل تحالف صافي الانبعاثات الصفرية المصرفي)، مفضلةً تجنب المخاطر السياسية السريعة على حساب مستقبل المناخ.
ووفق التقرير، فإن إنقاذ المحيطات وضمان استدامة "الاقتصاد الأزرق" لا يتطلب مجرد ضخ مزيد من الأموال، بل يستلزم تغييراً جذرياً في طبيعة رأس المال ونوعيته، والاعتراف بأن المحيطات هي أكبر بالوعة للكربون على كوكب الأرض، وبدونها لن تنجح أي جهود عالمية لتنظيف الفوضى المناخية التي صنعها البشر.