الجمعة 19 يونيو 2026 / 17:12

الإمارات تكتسح شباك التذاكر إقليمياً وتعيد رسم خريطة السينما في المنطقة

في وقت يواجه فيه قطاع السينما العالمي تراجعاً ملحوظاً في إقبال الجماهير على دور العرض، نظراً لتغير سلوك المستهلك وتوغل المنصات، تخطّ ببيئة الأعمال في دولة الإمارات مساراً معاكساً تماماً، فلم تعد الدولة مجرد سوق استهلاكية متعطشة للأفلام، بل تحولت إلى "مغناطيس" يستقطب كبرى استوديوهات هوليوود وبوليوود، صانعةً مشهداً ربحياً متكاملاً يدمج بين البنية التحتية العملاقة والمحفزات المالية الذكية.

تحولت الإمارات إلى وجهة مفضلة لعدد من أكبر الإنتاجات العالمية، مستفيدة من تنوع مواقعها الطبيعية والعمرانية، وسهولة الإجراءات، والدعم المؤسسي المتزايد لصناعة الأفلام.

ويعيش قطاع السينما الإماراتي أزهى عصوره من حيث القيمة التسويقية وحجم الإقبال، وتعكس نتائج الهيئة الوطنية للإعلام لعام 2025 حجم هذا التحول، إذ سجّل القطاع إيرادات تجاوزت 734 مليون درهم (قرابة 200 مليون دولار أمريكي) في شباك التذاكر مدفوعة ببيع أكثر من 14.8 مليون تذكرة لمشاهدة 1270 فيلماً عالمياً وإقليمياً

وتمثل هذه الأرقام مؤشراً على قوة الطلب المحلي والإقليمي، كما تؤكد مكانة الإمارات كواحدة من أكبر أسواق السينما والترفيه في الشرق المتوسط، إذ تضم الدولة اليوم أكثر من 700 شاشة عرض، مع وجود أحدث تقنيات العرض العالمية مثل IMAX و4DX وقاعات المشاهدة الفاخرة.

لكن التحول الأبرز لم يكن في عدد الشاشات أو حجم الإيرادات فحسب، بل أيضاً في قدرة الدولة على الانتقال من مجرد سوق لعرض الأفلام لمركز إنتاج دولي، تُصنع فيه الأفلام العالمية، فكان عام 2021 نقطة تحول مفصلية، مع تصوير فيلم "The Misfits" بطولة بيرس بروسنان  في مواقع متعددة بين أبوظبي ودبي والعين، في خطوة عكست ثقة المنتجين العالميين بقدرة الإمارات على استضافة مشاريع سينمائية ضخمة وتوفير بنية إنتاجية متكاملة.

ومنذ ذلك الحين، تحوّلت الإمارات إلى وجهة مفضلة لعدد من أكبر الإنتاجات العالمية، مستفيدة من تنوع مواقعها الطبيعية والعمرانية، وسهولة الإجراءات، والدعم المؤسسي المتزايد لصناعة الأفلام، من بينها Mission: Impossible – Ghost Protocol، الذي حقق 694 مليون دولار في شباك التذاكر العالمي، و"Furious 7" الذي تجاوزت إيراداته مليار ونصف المليار دولار.

وكذلك "Star Wars: The Force Awakens"، الذي حطّم الأرقام القياسية بإيرادات تجاوزت ملياري دولار حول العالم، وفيلم "Dune" بإيرادات 429 مليون دولار، إضافة إلى فيلم السباقات المرتقب "F1: The Movie". 

كما جذبت الإمارات إنتاجات آسيوية وبوليوودية بارزة مثل "Bang Bang!" و"Tiger Zinda Hai" و"Vanguard"، ما عزّز مكانتها كمنصة إنتاج متعددة الثقافات.

منصات البث تدخل المشهد

ومع صعود منصات البث الرقمي، اتسع حضور الإمارات على الشاشات العالمية. وكان أحدث الأمثلة فيلم Tom Clancy's Jack Ryan: Ghost War من إنتاج Amazon MGM Studios، الذي عُرض عالمياً في مايو 2026، واتخذ من معالم دبي وصحرائها ومناطقها الحضرية الحديثة خلفية رئيسية لأحداثه.

وأكدت جهات رسمية في دبي أن الفيلم صُوّر بالتعاون مع مجلس دبي للإعلام ودائرة الاقتصاد والسياحة، ليعكس الإمكانات الإنتاجية المتقدمة التي توفرها الإمارة لصناع المحتوى العالميين.

لماذا تختار الاستوديوهات العالمية الإمارات؟

خلف هذا النجاح تقف منظومة دعم حكومية ولوجستية تتفوق بها الإمارات إقليمياً، وتتمثل في ثلاثة محاور رئيسية:

- المحفزات المالية الإبداعية: يقدم برنامج الاسترداد النقدي في أبوظبي خصومات مالية تبدأ من 35% وتصل إلى 50% للإنتاجات المؤهلة.

- المدن الإعلامية المتكاملة: توفر منطقة "twofour54" في أبوظبي مساحات شاسعة للاستوديوهات المفتوحة (Backlots) لبناء مدن كاملة، بالتكامل مع "مدينة دبي للاستوديوهات" التي تضم أحدث الاستوديوهات العازلة للصوت ومرافق المونتاج وتصحيح الألوان.

- مبدأ "المحطة الواحدة": تلعب لجنة دبي للإنتاج التلفزيوني والسينمائي دوراً محورياً في إزالة العقبات البيروقراطية، وتسهيل استخراج التصاريح الأمنية، وتنسيق العمليات اللوجستية المعقدة كإغلاق الطرق الحيوية لتصوير مشاهد الأكشن.

بـ11 كياناً ومؤسسة.. الإمارات ترسخ مكانتها ضمن قائمة الـ101 الأكثر تأثيراً في السينما العربية - موقع 24كشف مركز السينما العربية عن قائمة الـ 101 الأكثر تأثيراً في السينما العربية لعام 2026، وهي القائمة التي تسلط الضوء على من برزوا خلال الاثني عشر شهراً الماضية في صناعة السينما بالعالم العربي.

العائد المستدام.. وظائف وتوطين للمهارات

لا تقف العوائد عند حدود الأرقام المالية المباشرة وضخ ملايين الدراهم في قطاعات الفندقة والخدمات، بل تمتد إلى نقل المعرفة وتنشيط "السياحة السينمائية".

على سبيل المثال، استوعب فيلم واحد مثل "Now You See Me, Now You Don’t" طاقماً يضم 175 متخصصاً محلياً وخمسة متدربين. كما نجحت هيئة الإعلام الإبداعي ولجنة أبوظبي للأفلام منذ 2020 في توفير أكثر من 300 فرصة تدريب عملي في مشاريع سينمائية، مثّل المواطنون الإماراتيون أكثر من 50% منهم، وتحول العشرات منهم اليوم إلى محترفين دائمين في القطاع.

نفوذ إقليمي متصاعد في 2026

هذا الثقل الإنتاجي والاستهلاكي تُرجم رسمياً على خارطة النفوذ الإبداعي العربي؛ إذ توجت قائمة "الـ101 الأكثر تأثيراً في السينما العربية لعام 2026" (الصادرة عن مركز السينما العربية) 11 جهة إماراتية قادت المشهد، تنوعت بين مؤسسات فنية (مؤسسة الشارقة للفنون)، ودور عرض بديلة وتجارية (سينما عقيل، فوكس سينما، نوفو)، ومنصات بث وتوزيع (OSN، يانغو بلاي، فرونت رو، جلف فيلم)، مما يؤكد أن الإمارات باتت تدير بوصلة الفن السابع في المنطقة من الألف إلى الياء.