صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (24)
الثلاثاء 23 يونيو 2026 / 15:32
في منعطف تنظيمي حاسم لمواجهة التهديدات الرقمية الناشئة، اتخذت دولة الإمارات خطوة ريادية عربياً بحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الخامسة عشرة.
النفط كان المادة الخام الأساسية للصناعة التقليدية، بينما أصبحت البيانات والانتباه المادة الخام للصناعة الرقمية الحديثة
وتأتي هذه الخطوة الاستراتيجية في وقت يواجه فيه الأطفال بيئة رقمية شديدة التعقيد تنطوي على مخاطر متزايدة على سلامتهم، حيث كشفت دراسة دولية حديثة أجرتها شركة تصنيع الهواتف المحمولة (HMD) بالتعاون مع مؤسسة Perspectus Global (شملت أكثر من 25 ألف طفل وولي أمر في ست دول من بينها الإمارات) عن أرقام صادمة.

هذا التدفق المخيف للمخاطر الرقمية لم يكن ليعبر إلى غرف الأطفال، لولا الحضور الكثيف واليومي للمراهقين على هذه الشبكات، وهو ما تؤكده بيانات تقرير DataReportal لعام 2026 التي تشير إلى أن البنية التحتية الرقمية والتغطية في الإمارات تصل إلى نحو 100%. وبالتالي هذا الحجم الهائل من التدفق الرقمي جعل منصات مثل "تيك توك" و"سناب شات" التطبيقات الأكثر جذباً للصغار .
وأمام هذا التغلغل غير المسبوق، جاء التحرك الإماراتي الحاسم ليمنح المنصات مهلة عام لتطبيق آليات صارمة للتحقق من الأعمار، في خطوة لا تحمي الصغار من المخاطر السلوكية فحسب، بل تضرب في العمق نظاماً مالياً مخفياً يقتات على عقولهم، ويُعرف عالمياً بـ "اقتصاد الانتباه".
ما علاقة "اقتصاد الانتباه" بالأطفال؟
يقوم اقتصاد الانتباه على فكرة بسيطة مفادها أن كل ثانية يقضيها المستخدم أمام الشاشة تمثل فرصة لتحقيق الربح، وهو (مصطلح يعنى بالتعامل مع انتباه الفرد على أنه سلعة نادرة وثمينة، وكان الاقتصادي الأمريكي هيربرت سيمون أول من صاغ هذا المصطلح عام 1971).
لذلك تتنافس المنصات الرقمية على جذب المستخدمين وإبقائهم متصلين لأطول فترة ممكنة، لأن زيادة التفاعل تعني زيادة عائدات الإعلانات. وفي هذا النموذج لا يكون المستخدم هو العميل الحقيقي، بل يصبح هو المنتج نفسه.
ويرى خبراء الاقتصاد الرقمي أن الطفل أصبح يمثل "أصلاً اقتصادياً" طويل الأجل بالنسبة للشركات التقنية، فكل تفاعلات الطفل على هذه المنصات تُسجّل بواسطة الخوارزميات، بهدف تكوين صورة تفصيلية عن اهتماماته وسلوكياته الاستهلاكية الحالية والمستقبلية.
وتسير هذه العملية الدقيقة بسرعة فائقة، فكل حركة تمرير أو بحث يقوم بها الطفل تُسجل وتُحلل فوراً، حيث يستغرق تحويل هذه البيانات إلى إشارات للمعلنين ما بين 50 إلى 100 ملّي ثانية فقط (أسرع من رمشة العين). وهذا يعني أن المزادات الآلية بين الشركات تُعقد وتباع فيها لقطة انتباه الطفل في أقل من عُشر من الثانية، وقبل أن يستوعب عقله ما يُعرض أمامه.
هل الأطفال هم النفط الجديد للاقتصاد الرقمي؟
يُشبّه بعض الباحثين بيانات الأطفال وانتباههم بالنفط الذي قامت عليه اقتصادات القرن العشرين، فالنفط كان المادة الخام الأساسية للصناعة التقليدية، بينما أصبحت البيانات والانتباه المادة الخام للصناعة الرقمية الحديثة.
وتزداد أهمية الأطفال بالنسبة للشركات لأنهم يمثلون المستهلكين المستقبليين، فكلما نجحت منصة أو علامة تجارية في بناء علاقة مبكرة مع الطفل، ارتفعت احتمالات استمراره في استخدام منتجاتها وخدماتها لعقود لاحقة.
ولهذا السبب تُصمم كثير من التطبيقات والألعاب ومنصات الفيديو بأساليب تعتمد على التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي للمحتوى، وأنظمة المكافآت الرقمية، بهدف إبقاء المستخدم الصغير متصلاً لأطول وقت ممكن.
تأثير صعود الفيديوهات القصيرة
أيضاً يشهد سوق محتوى الأطفال تحولًا كبيراً نحو الفيديوهات القصيرة، مع تراجع دور التلفزيون التقليدي لصالح المنصات الرقمية.
ووفق بيانات Common Sense Media أصبح الأطفال تحت سن الثامنة يقضون وقتاً متزايداً في مشاهدة مقاطع قصيرة عبر منصات مثل تيك توك ويوتيوب وإنستغرام، حيث ارتفع متوسط الاستخدام اليومي لهذا النوع من المحتوى إلى نحو 14 دقيقة مقارنة بدقيقة واحدة فقط في بداية عام 2020.
ورغم أن الرقم قد يبدو محدوداً، فإن طبيعة هذه المقاطع القائمة على السرعة والتتابع المستمر تجعلها أكثر قدرة على جذب الانتباه، وهو ما يمنح المنصات فرصة أكبر لزيادة مدة الاستخدام وعرض الإعلانات.
ومع دخول عصر الذكاء الاصطناعي، فقد أُضيف بُعد جديد إلى اقتصاد الانتباه، بعدما أصبح إنتاج كميات ضخمة من المحتوى الرقمي أكثر سهولة وأقل تكلفة، حتى لو افتقد إلى القيمة التعليمية أو السردية.
معركة غير متكافئة مع الطفل
ويتعاظم حجم هذا السوق مع التغلغل المرعب للهواتف، ففي التقرير السنوي لحالة التعليم (ASER 2024) على سبيل المثال، أفاد 89% من المراهقين بوجود هاتف ذكي في منازلهم، يستخدمه 76% منهم لمنصات التواصل الاجتماعي مقابل 57% فقط للتعليم.
هذا التغلغل والانتشار الكبير أدّى إلى تحويل انتباه الأطفال وسلوكياتهم إلى هدف تجاري مباشر عبر ثقافة المؤثرين والإعلانات الموجهة والخوارزميات المصممة لجذب انتباههم.
ولا يعتمد اقتصاد الانتباه على الإعلانات التجارية وحدها، بل يستند إلى علوم نفسية وسلوكية متقدمة تهدف إلى إبقاء المستخدمين، وخاصة الأطفال، أمام الشاشات لأطول فترة ممكنة.

لذلك يحذر الخبراء من أن مطالبة الأطفال بممارسة "ضبط النفس" أثناء استخدام المنصات الرقمية تمثل معركة غير متكافئة، إذ يواجه الطفل، الذي لم تكتمل بعد قدراته على التحكم في الاندفاع واتخاذ القرار، أنظمة مصممة خصوصاً لجذب انتباهه ومنعه من مغادرة التطبيق، مستخدمة أدوات مثل التمرير اللانهائي الذي يتيح تدفق المحتوى بلا نهاية، وميزة التشغيل التلقائي، إلى جانب أنظمة المكافآت الفورية والإشعارات المتكررة التي تمنح الدماغ جرعات متواصلة من التحفيز.
وتعتمد هذه الأدوات على أبحاث في علم السلوك والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بهدف زيادة مدة الاستخدام ومعدلات التفاعل، وهي المؤشرات التي تتحول لاحقاً إلى إيرادات إعلانية وأرباح تجارية، حتى لو كانت على حساب عقول الأطفال ومستقبلهم.