صورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي (24)
صورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي (24)
الأربعاء 24 يونيو 2026 / 16:58
خبراء يحذرون من تقديرات وهمية وسرعة غير محسوبة

الاعتماد على ChatGPT في تخطيط المشاريع.. أداة لتسريع الإنجاز أم بوابة لقرارات غير دقيقة؟

دراسات جدوى وتخطيط لمشاريع تنجز بعشر دقائق فقط عبر شات جي بي تي، معادلة جديدة دخلت عالم ريادة الأعمال، وفتحت الباب أمام اعتماد متزايد على الذكاء الاصطناعي في المراحل الأولى لتقييم المشاريع وبناء القرارات الاستثمارية. غير أن اختصار أسابيع من البحث والتحليل في دقائق معدودة يثير تساؤلات جوهرية حول مدى دقة الافتراضات التي تُبنى عليها هذه الدراسات، فضلاً عن حدود الاعتماد عليها لاتخاذ قرارات ترتبط بتخصيص مئات الآلاف أو ملايين الدراهم.

هل يستطيع شات جي بي تي تقدير حجم الاستثمار المطلوب أو فترة استرداد رأس المال بصورة تعكس واقع السوق؟ وإلى أي مدى يمكن الوثوق بالمخرجات التي ينتجها؟ وهل يشكل أداة مساعدة لتسريع التخطيط واتخاذ القرار، أم أن الاعتماد المفرط عليه قد يقود إلى افتراضات غير دقيقة تنعكس على جدوى المشروع ومردوده المالي؟

توسع سريع 

تكتسب هذه التساؤلات أهمية متزايدة مع التوسع السريع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي (التي تنشئ محتوى ومقترحات بشكل آلي). ووفق تقرير حديث صدر عن بنك HSBC بعنوان "ميزة العامل البشري مقابل الذكاء الاصطناعي"، يعد المستثمرون في دولة الإمارات من بين الأكثر حماساً لتبني هذه الأدوات واستخدامها في البحث وتوليد الأفكار المرتبطة بالقرارات المالية والاستثمارية، إلا أنهم لا يزالون يفضلون الاستعانة بالخبرات المتخصصة عند اتخاذ القرار النهائي.

ويستند التقرير إلى استطلاع شمل 9,993 من أصحاب الثروات والملاءة المالية العالية في 10 أسواق، من بينهم 703 مستثمرين من  الإمارات، وأظهر بروز نموذج عمل هجين تتولى فيه أدوات الذكاء الاصطناعي تسريع عمليات البحث والتحليل واستكشاف الفرص، فيما يحتفظ المستشارون المتخصصون بدور التحقق من المعطيات وتقييم المخاطر وتقديم الرأي المهني عند اتخاذ القرارات الاستثمارية.

وعلى المستوى العالمي، أظهر تقرير "مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026" الصادر عن معهد الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان في جامعة ستانفورد، والمستند إلى مسوح دولية شملت عدداً من الأسواق الرئيسية، أن معدل تبني أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بلغ 53% خلال ثلاث سنوات فقط.

كما بين مسح أجرته مؤسسة "بي بي آي فرانس" الفرنسية وشمل 534 شركة متوسطة أن 77% من الشركات تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بينما أفاد 17% فقط بتحقيق وفورات زمنية ملموسة نتيجة استخدامها، ما يعكس فجوة بين الانتشار المتسارع للتقنية والعائد الفعلي المتحقق منها داخل بيئات الأعمال.

هل تعكس مخرجات الذكاء الاصطناعي التكلفة الحقيقية للمشروع؟

محمد ياسين من شركة "ديبكس" لتأسيس المشاريع، يرى أن المشكلة لا تكمن في استخدام شات جي بي تي بحد ذاته، بل في التعامل مع مخرجاته باعتبارها أرقاماً نهائية قابلة للتنفيذ.

ويقول إن كثيراً من أصحاب المشاريع يحصلون على تقديرات مالية غير واقعية عند طلب دراسة جدوى أو خطة تأسيس مشروع، لأن الأداة تعتمد على معلومات عامة ومتاحة على الإنترنت، بينما تختلف التكاليف الفعلية باختلاف الموقع وطبيعة النشاط والاشتراطات التنظيمية لكل دولة ومدينة أحياناً.

المشكلة لا تتعلق فقط بدقة الأرقام، برأي ياسين، بل بقدرة الأداة على عكس الواقع التشغيلي للمشروع. فالمستثمر قد يحصل على دراسة تشير إلى إمكانية إطلاق مشروع برأسمال يبلغ 500 ألف درهم، بينما تتجاوز التكلفة الفعلية مليون درهم بعد احتساب الإيجارات والتجهيزات والرسوم والمتطلبات التشغيلية.


تناقض المخرجات مع حقيقة الواقع 

ويضيف أن بعض المخرجات قد تتضمن تقديرات متفائلة لفترة استرداد رأس المال، أو تتجاهل مصروفات أساسية مرتبطة بالتراخيص والإجراءات الحكومية. ويشير إلى أن بعض الدراسات قد تظهر تكلفة الرخصة بمبالغ محدودة، في حين تترتب عليها رسوم ومتطلبات أخرى لا تظهر في الدراسة الأولية، ما يخلق فجوة بين التقديرات النظرية والكلفة الفعلية للمشروع.

كما أن شات جي بي تي لا يملك فهماً كاملاً لخصوصية الأسواق المحلية أو طبيعة المستهلكين في كل منطقة، بحسب ياسين، ما يقود إلى افتراضات أو مقترحات يصعب تطبيقها عملياً رغم أنها تبدو منطقية نظرياً.

ويؤكد أن العديد من الشركات واجهت حالات لأصحاب مشاريع اعتمدوا على دراسات أولية أعدتها أدوات الذكاء الاصطناعي، قبل أن يكتشفوا بعد استئجار المواقع وبدء التنفيذ أن المخصصات المالية المتاحة لا تكفي لاستكمال المشروع.

من الدراسة الأولية إلى القرار الاستثماري.. ما الذي لا يراه ChatGPT؟

من جانبه، يرى عماد علي، مستشار دراسات الجدوى وتمويل المشاريع، أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة مساعدة للمستشارين أكثر من كونه بديلاً عن شركات الدراسات، إذ يمكنه تسريع جمع المعلومات وإعداد نماذج أولية لخطط الأعمال وتحليل كميات كبيرة من البيانات خلال وقت قصير، إلا أن دوره يبقى محدوداً عند حدود البيانات المتاحة له.

ويشير إلى أن دراسة الجدوى التي يعدها شات جي بي تي تمثل نقطة انطلاق أولية مبنية على بيانات عامة ومعلومات متاحة رقمياً. وفي المقابل، تستند دراسة الجدوى الاحترافية إلى بيانات موثقة ومحدثة، وأبحاث سوق، وتحليل للمنافسين، وتقدير للطلب الفعلي، وإعداد النماذج المالية واختبارات الحساسية وتحليل المخاطر.

ويلفت إلى أن الفرق الجوهري يتمثل في أن الذكاء الاصطناعي يقدم تقديرات وافتراضات محتملة، بينما تهدف دراسة الجدوى الاحترافية إلى بناء قرار استثماري قائم على بيانات قابلة للتحقق والتدقيق، وهو ما يجعل الخبرة البشرية عنصراً أساسياً في تقييم فرص نجاح المشروع وجدواه الاقتصادية.

ويتوافق هذا الطرح مع نتائج التقرير  الصادر عن بنك HSBC، الذي أظهر استمرار تفضيل المستثمرين للخبرة البشرية رغم التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. إذ يفضل 56% من المستثمرين في دولة الإمارات نموذجاً يجمع بين أدوات الذكاء الاصطناعي والمستشارين المتخصصين، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 50%، فيما قال 39% إنهم يفضلون استخدام الذكاء الاصطناعي في مرحلة الاستكشاف الأولي للفرص والخيارات الاستثمارية، قبل التحقق من النتائج مع مستشار متخصص واتخاذ القرار النهائي.

من أين تأتي الإجابات التي يبني عليها الذكاء الاصطناعي؟

أما سامي عبدالنور، الخبير التقني المتخصص في وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن المشكلة لا تكمن في شات جي بي تي أو غيره من أدوات الذكاء الاصطناعي اللغوي بحد ذاتها، بل في طريقة استخدامها.

فكثيرون، برأيه، يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي كما لو كانوا يتحاورون مع صديق يوجهون إليه أسئلة متفرقة ويحصلون على إجابات منفصلة، إلا أن تلك الأجوبة ليست مرتبطة ببعضها البعض، وفي تخطيط المشاريع نحن بحاجة إلى استمرارية ومتابعة وترابط في مختلف الحيثيات، وهو ما يتطلب التعامل مع الذكاء الاصطناعي كبيئة عمل متكاملة عبر ضبط الإعدادات وتزويده بالبيانات اللازمة وتوجيهه بالأوامر الصحيحة.

ويوضح أن شات جي بي تي يبني إجاباته ومقترحاته استناداً إلى البيانات التي تدرب عليها والمعلومات التي يزوده بها المستخدم أثناء التفاعل معه. ويؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة فعالة في تحليل البيانات واستخلاص المؤشرات وبناء التصورات الأولية، لكنه لا يمكن أن يحل محل البحث الميداني أو التحقق من المعلومات، لأن جودة القرار الاستثماري تبقى في النهاية مرتبطة بالبيانات التي بُني عليها.

"الهلوسة" الرقمية.. ماذا يحدث عندما تغيب البيانات؟

ويشير إلى أن تقدير حجم الأسواق أو الطلب المتوقع يعتمد على مدى توافر البيانات وشفافيتها وتحديثها المستمر، محذراً من أن غياب البيانات الكافية أو الاعتماد على بيانات غير محدثة قد يدفع الذكاء الاصطناعي إلى توليد معلومات أو أرقام غير دقيقة، وهي الظاهرة المعروفة باسم "الهلوسة"، ما قد يؤدي إلى بناء افتراضات لا تعكس واقع السوق أو البيئة الفعلية للمشروع.

وبين تسارع اعتماد الشركات ورواد الأعمال على أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد الدراسات الأولية للمشاريع، تتفق آراء الخبراء على أن هذه الأدوات قادرة على تسريع التحليل وبناء التصورات الأولية، لكنها لا تغني عن البيانات الموثقة أو البحث الميداني أو الخبرة المتخصصة عند اتخاذ القرارات الاستثمارية.