النموذج الصيني الجديد
الأربعاء 24 يونيو 2026 / 16:50
قطاع الذكاء الاصطناعي يشهد تحولاً لافتاً مع صعود نماذج مفتوحة المصدر تتيح للمطورين تشغيلها وتخصيصها محلياً، بعيداً عن الاشتراكات المرتفعة والخوادم المغلقة التي تهيمن عليها شركات التكنولوجيا الكبرى.
في هذا السياق، حظي نموذج صيني جديد يحمل اسم "GLM 5.2"، طورته شركة "Z.ai" المعروفة سابقاً باسم زيبو آي "Zhipu AI"، باهتمام واسع بعدما قدم نفسه كمنافس قوي للنماذج التجارية الرائدة مثل "شات جي بي تي" و"كلود".
ويستند الاهتمام المتزايد بالنموذج إلى قدرته على منح المطورين وصولاً مباشراً إلى مكوناته الأساسية، بما يسمح بتنزيله وتخصيصه وتشغيله على البنية التحتية الخاصة بهم، على عكس الأنظمة المغلقة التي تفرض الاعتماد الكامل على خدمات الشركات المالكة لها.
سباق بين النماذج المفتوحة والمغلقة
ينقسم الذكاء الاصطناعي بين معسكرين رئيسيين: المغلقة التي تديرها شركات كبرى مثل "أوبن إيه أي" و"غوغل"، ومفتوحة المصدر التي تمنح المطورين مرونة أكبر في الاستخدام والتطوير.
ويشير خبراء إلى أن النماذج المفتوحة ظلت لسنوات أقل قدرة من منافساتها التجارية، لكنها كانت تتمتع بميزة انخفاض التكلفة وإمكانية التخصيص، إلا أن الفجوة بدأت تضيق سريعاً مع ظهور نماذج متقدمة مثل "Llama" من "ميتا" و"Mistral"، وصولاً إلى "GLM 5.2".
ويرى مراقبون أن كثيراً من المؤسسات لا تحتاج بالضرورة إلى أقوى نموذج ذكاء اصطناعي متاح في السوق، بل إلى أدوات قادرة على تنفيذ مهام عملية مثل تحليل الوثائق الداخلية، وتلخيص البيانات الضخمة، وكتابة الأكواد البرمجية وتصحيحها، أي إذا تمكن نموذج مفتوح من أداء ما بين 90% و95% من هذه المهام بتكلفة أقل بكثير، فإنه يصبح خياراً يصعب تجاهله.
لماذا يثير التشغيل المحلي اهتمام الشركات؟
ازدادت الضجة حول "GLM 5.2" بعد نجاح مطورين في تشغيله محلياً على أجهزة "آبل" المتقدمة، بما في ذلك بعض إصدارات "ماك ميني" و"ماك ستوديو"، وهو ما اعتبره كثيرون خطوة مهمة نحو امتلاك قدرات الذكاء الاصطناعي بدلاً من استئجارها عبر اشتراكات شهرية.
ويمنح التشغيل المحلي المؤسسات سيطرة أكبر على البيانات الحساسة، خصوصاً في القطاعات التي تتعامل مع معلومات مالية أو سجلات طبية أو أبحاث سرية.
ويتوقع خبراء أن تتجه الشركات مستقبلاً إلى نماذج تشغيل هجينة، بحيث تتولى النماذج التجارية المغلقة المهام الأكثر تعقيداً، بينما تنفذ النماذج مفتوحة الأوزان الأعمال اليومية ذات الحجم الكبير، في حين تُخصص النماذج المحلية لمعالجة البيانات شديدة الحساسية.
7 أدوار جوهرية للذكاء الاصطناعي لكشف الأخبار المضللة ومحاربة الشائعات - موقع 24مع تسارع حدة الأخبار الزائفة عبر المنصات الرقمية، يبرز الذكاء الاصطناعي التوليدي كـ "سلاح ذي حدين" في مواجهة التضليل. ومع هيمنة نماذج اللغة الضخمة، لم تعد معركة المعلومات المضللة تقنية بحتة، بل أصبحت صراعاً متحضراً يجمع بين ذكاء الآلة، وعي الإنسان، وحزم السياسات العامة.
قدرات هائلة
ورغم المزايا التي يقدمها النموذج، فإن تشغيله محلياً ليس مهمة سهلة، فـ "GLM 5.2" ينتمي إلى فئة نماذج "مزيج الخبراء" (MoE)، ويضم ما بين 744 ملياراً و753 مليار معامل (Parameter)، ما يجعله واحداً من أكبر النماذج المتاحة حالياً.
وفي صورته الأصلية غير المضغوطة، يحتاج النموذج إلى نحو 1.51 تيرابايت من الذاكرة والتخزين لاستيعاب أوزانه بالكامل، وهو رقم يتجاوز بكثير قدرات معظم الحواسيب الشخصية.
ولتشغيله محلياً، يعتمد المطورون على تقنية "التكميم" (Quantization) التي تضغط النموذج لتقليل استهلاك الموارد. ومع ذلك، لا يزال يحتاج إلى نحو 240 جيجابايت من الذاكرة حتى بعد عمليات الضغط المكثفة، وهو ما يضعه خارج نطاق الاستخدام العملي لغالبية المستخدمين.
كما يتميز النموذج بنافذة سياق ضخمة تصل إلى مليون رمز (Token)، وهي قدرة مشابهة لما توفره بعض النماذج المتقدمة مثل "كلود".
خاص 24| بين التحول والتهديد.. ماذا يعني "غوغل زيرو" لمستقبل الصحافة الرقمية؟ - موقع 24على مدى أكثر من عقدين، بُنيت العلاقة بين غوغل والناشرين على معادلة واضحة من التكامل، أساسها "إنشاء المحتوى عبر المواقع، وتوجيه المُستخدمين عبر محركات البحث"، فتكون النتيجة حركة زيارات واسعة تترجم إلى إيرادات إعلانية ومشتركين وعوائد تمول استمرار إنتاج المحتوى.
ماذا يعني ذلك للمستخدمين؟
ورغم أن المستخدم العادي لن يقوم بتشغيل نموذج بحجم "GLM 5.2" على جهازه الشخصي في المستقبل القريب، فإن أهمية هذا التطور تكمن في تأثيره على سوق البرمجيات ككل.
ويمهد ذلك لظهور جيل جديد من التطبيقات والخدمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تكون أقل تكلفة وأكثر تخصصاً، فكلما أصبحت النماذج المفتوحة أكثر قوة وتنافسية، ازدادت الخيارات المتاحة أمام شركات البرمجيات، وتراجعت الحاجة إلى الاعتماد على مزود واحد مقابل رسوم مرتفعة.