اقتصاد تحت الشمس.. كيف تحاصر موجات الحر أوروبا؟
الجمعة 26 يونيو 2026 / 22:55
لم تعد موجات الحر التي تتردد على القارة العجوز مجرد خبر عادي أو مشهد استثنائي يتطلب تحذيرات وتعليمات للحد من الأضرار، بل تحولت إلى ظاهرة ذات وجه اقتصادي معقد، ينعكس على فواتير الكهرباء، وإنتاجية العمال، وساعات تشغيل المصانع، والقدرة على تبريد المنازل والمستشفيات والمدارس.
تقول وكالة "رويترز" للأنباء، إن أوروبا تعيش الآن موجة حر شديدة دفعت عدد من الدول إلى حالة تأهب، بعد أن تجاوزت درجات الحرارة حاجز الـ40 درجة مئوية في مناطق مختلفة، وهو ما أدى إلى ارتفاع الطلب على المراوح وأجهزة التكييف في قارة لم تعتاد عبر التاريخ على أنظمة التبريد المنزلي.
ومع ارتفاع أحمال الكهرباء بسبب استخدام أجهزة التبريد، في وقت تتعرض فيه بعض مصادر الطاقة للضغط، سواء بسبب تراجع الرياح أو انخفاض كفاءة بعض المحطات، تزداد الأزمة تعقيداً، لتتحول موجة الحر إلى اختبار اقتصادي مزدوج، زيادة الطلب على الطاقة من جهة، وقدرة أقل مرونة على تلبية هذا الطلب من جهة أخرى.
كهرباء تحت الضغط
تقول "رويترز"، إن موجة الحر الحالية تضع أنظمة الكهرباء الأوروبية تحت ضغط واضح، لأن درجات الحرارة القياسية ترفع الطلب على التبريد، بينما تقلل في الوقت نفسه قدرة بعض مصادر الطاقة على الإنتاج بكفاءة كاملة، موضحة أن مراقبة ضغط الشبكات لم تعد مسألة فنية تخص مشغلي الكهرباء وحدهم، بل أصبحت مؤشراً اقتصادياً، يمكن تتبعه عبر أسعار الكهرباء الفورية، وتدفقات الكهرباء بين الدول، وتحذيرات مشغلي الشبكات، خصوصاً عندما تتراجع قدرة الدول المصدرة للكهرباء أو تتعرض محطات رئيسية لمشكلات تشغيلية تتسبب في تقليل الإنتاج أو تعطلها.
ولذلك، فإن الطلب الأوروبي على الكهرباء لم يعد مرتبطاً فقط بالمنازل والمصانع التقليدية، فالقارة العجوز تواجه نمواً في استهلاك مراكز البيانات، وتوسعاً في السيارات الكهربائية، وانتشاراً أكبر للمضخات الحرارية، وكلها تضيف أحمالاً جديدة إلى شبكات تواجه صيفاً أكثر حرارة.
قفزة في الأسعار
تقول صحيفة "فاينانشال تايمز"، إن موجة الحر دفعت أسعار الكهرباء في القارة إلى قفزات كبيرة، بالتزامن مع زيادة تشغيل مكيفات الهواء وتراجع بعض قدرات الإنتاج، موضحة أن أسعار الكهرباء في ألمانية ارتفعت بصورة لافتة خلال يوم واحد.
وتقدم صحيفة "ذا غارديان" البريطانية صورة أكثر تفصيلاً، إذ تقول إن بريطانيا اضطرت إلى دفع أسعار مرتفعة لاستيراد الكهرباء في وقت ذروة الأزمة، بينما تجاوزت أسعار الكهرباء في فرنسا وألمانيا مستويات مرتفعة، في ظل مزيج من الطلب القوي وتراجع بعض مصادر الإنتاج. وتكشف هذه القفزات أن أيام الحر الشديد باتت قادرة على تحويل سوق الكهرباء إلى سوق أكثر توتراً وكلفة.

تراجع العرض وارتفاع الطلب
وتضيف الصحيفة البريطانية، أن المملكة المتحدة فقدت جزءاً من قدرة محطات الغاز خلال موجة الحر، كما أن إنتاج الرياح قد تراجع بسبب نمط الضغط الجوي الذي قلل سرعة الرياح، في وقت تحتاج فيه الشبكة إلى كهرباء إضافية لتلبية الطلب، أما في فرنسا، فقد واجهت بعض المحطات النووية مشكلات مرتبطة بارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدمة في التبريد، وهي أزمة متكررة في أوروبا ومصاحبة لموجات الحر.
وتكشف هذه التطورات أن نظام الطاقة الأوروبي أصبح أكثر عرضة وتأثراً لصدمات الطقس، لأن الشبكات التي تم تأسيسها على افتراضات مناخية معينة، تواجه واقع جديد بصيف أكثر قسوة وشديد الحرارة.
المكيفات في أوروبا
تشير "رويترز" إلى أن أجهزة التكييف في المنازل الأوروبية لا تزال منخفضة مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، ولكن الآن، تدفع موجة الحر الحالية الكثيرين إلى شراء المراوح وأجهزة التبريد.
وتقول صحيفة "بيزنس إنسايدر" الأمريكية في تقرير عن تلك الظاهرة، إن انتشار التكييف في القارة العجوز ظل محدوداً تاريخياً بسبب طبيعة المباني القديمة، وارتفاع أسعار الكهرباء، والمواقف البيئية والثقافية المتحفظة تجاه أجهزة التكييف.
ويبدو أن التغير المناخي يضع الآن يضع البيئة المتحفظة تجاه التكييف تحت ضغط، نظراً لأن المنازل تم تصميمها للاحتفاظ بالدفء في الشتاء، ولكنها الآن تتحول إلى مساحات خانقة في الصيف، كما أن المدن التي لم تبن شبكات تبريد واسعة، تجد نفسها الآن أمام مشكلة تحتج حلاً سريعاً مكلفاً، وهنا تظهر المعضلة الاقتصادية الجديدة، فكلما زاد اعتماد القارة على التكييف التقليدي، يرتفع الطلب على الكهرباء، وزادت الحاجة إلى استثمارات في الشبكات، ما يتسبب بالتبعية في ارتفاع الفواتير.

العمال تحت ضغط الشمس
ارتفاع درجات الحرارة لم يضغط فقط على الشبكات، بل كان له تأثير على ساعات العمل والإنتاجية، إذ تقول وكالة "رويترز"، إن بعض الشركات الأوروبية بدأت في تعديل جداول العمل لمواجهة الحرارة، كما أن بعض شركات البناء نقلت العمل إلى ساعات الفجر، فيما وفرت شركات أخرى معدات تبريد ومياه إضافية للعاملين.
وتشير "ذا غارديان" إلى أن التأثير على الإنتاجية قد يكون أوسع من مجرد أيام عمل صعبة، لأن الحر الشديد ودرجات الحرارة المرتفعة تقلل قدرة العمال على الأداء، وخصوصاً في قطاعات مثل البناء والنقل والزراعة والخدمات اللوجستية.
ومن هنا تتحول موجات الحر من مجرد كلفة كهرباء إلى إشكالية في الإنتاجية أيضاً، ليدفع الاقتصاد الثمن من خلال ساعات عمل أقل، وتكاليف إضافية، وتباطؤ في تنفيذ بعض الأعمال والأنشطة، وربما يصل الحد إلى تأجيل مشروعات بسبب التأثر بظروف التشغيل.
المدارس والمستشفيات على خط الأزمة
أما في فرنسا، فيبدو أن تأثير موجة الحر امتد حتى أصبح اختباراً سياسياً واقتصادياً، إذ تقول صحيفة "لوموند" الفرنسية، إن السلطات واجهت انتقادت بسبب مستوى الاستعداد، حيث تم إغلاق مدارس، وضغط على المستشفيات، بالإضافة إلى تدابير طارئة للتعامل مع درجات الحرارة المرتفعة. وتضيف "رويترز"، أن شركة الكهرباء الفرنسية تعهدت بإنفاق 80 مليون يورو على المدارس ورياض الأطفال مراكز رعاية لتوفير أنظمة تبريد.
تبريد المدن
لمواجهة هذا الواقع الجديد، تبحث بعض المدن في أوروبا عن بدائل أخرى حتى لا تعتمد فقط على شراء المزيد من أجهزة التكييف، وتقول "ذا غارديان"، إن باريس تعمل على توسيع شبكة تبريد مركزية تعتمد على مياه نهر السين، وذلك من خلال شبكة أنانبيب تمتد لنحو 120 كيلومتراً.
ووفقاً للصحيفة، تستهدف باريس توسيع هذه الشبكة لتصل إلى آلاف المباني بحلول عام 2042، موضحة أن التكلفة تقدر بنحو 2.4 مليار يورو على مدى 20 عاماً، في محاولة لبناء نموذج تبريد أكثر كفاءة من التكييف الفردي.
ويبدو أن هذه الفكرة تكشف جانباً من شكل مستقبل المدن الأوروبية، الذي ينحصر بين سيناريوهين، إما أن تترك التكييف الفردي ينتشر بشكل عشوائي ويمثل ضغطاً على الكهرباء، أو الاستثمار في حلول جماعية أقل استهلاكاً وأكثر قدرة على تخفيف الضغط على الشبكات.