صورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي (24)
الجمعة 3 يوليو 2026 / 16:37
لم تعد الأرقام القياسية في حركة السياحة تمثل معياراً حاسماً لترجيح تنافسية الوجهات، وفق ما أفضى إليه تقرير "اتجاهات وسياسات السياحة 2026" الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، رغم تسجيل الدول الـ38 الأعضاء فيها رقماً قياسياً بلغ 847 مليون سائح دولي خلال عام 2025، إذ يشير إلى أن معايير التنافسية تشهد تحولاً هيكلياً، تتصدره إدارة الوجهات، والاستثمار، والابتكار، وتعظيم القيمة الاقتصادية لكل زيارة، بدلاً من الاقتصار على قياس التدفقات السياحية.
ويرصد التقرير، الصادر في الأول من يوليو (تموز) 2026، تحولاً في أولويات السياسات السياحية، إذ لم يعد التركيز ينصب على تعظيم التدفقات السياحية فحسب، بل على تعظيم القيمة الاقتصادية للوجهات، عبر الاستثمار، وإدارة الوجهات، والابتكار، وتعزيز مرونة القطاع في مواجهة المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية والمناخية.
من التقرير العالمي إلى الاستراتيجية الإماراتية
تتسق خلاصات التقرير مع المرتكزات التي أرستها استراتيجية الإمارات للسياحة 2031، التي أطلقتها الدولة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، بحسب خبير الاقتصاد عبدالحليم محيسن، الذي يرى أن الاستراتيجية انطلقت من رؤية تستند إلى تنويع المنتجات السياحية، وتعزيز الاستثمارات، والارتقاء بتجربة الزائر، وهي الطروحات التي يضعها تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ضمن محددات تنافسية القطاع المستقبلية.
وتستهدف الاستراتيجية، وفق البوابة الرسمية لحكومة دولة الإمارات، رفع مساهمة القطاع السياحي إلى 450 مليار درهم (122.5 مليار دولار) في الناتج المحلي الإجمالي، واستقطاب 100 مليار درهم (27.2 مليار دولار) من الاستثمارات السياحية الجديدة، والوصول إلى 40 مليون نزيل فندقي بحلول عام 2031.

ولا تنفصل هذه المستهدفات عن مؤشرات أداء القطاع. فوفق تقديرات المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC)، توقع أن تبلغ مساهمة القطاع في الاقتصاد الإماراتي 267.5 مليار درهم (72.8 مليار دولار) خلال عام 2025، بما يعادل 13% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن يصل إنفاق الزوار الدوليين إلى 228.5 مليار درهم (62.2 مليار دولار)، مع دعم القطاع أكثر من 925 ألف وظيفة.
من المشروع إلى المنظومة
وعلى مستوى التطبيق، اتجهت الإمارات إلى بناء منظومات اقتصادية متكاملة، تتقاطع فيها الضيافة، والثقافة، والترفيه، والفعاليات، والنقل، بما يرفع متوسط إنفاق الزائر، ويطيل مدة إقامته، ويعظم القيمة الاقتصادية التي تولدها كل زيارة، بحسب خبير الاقتصاد عبدالحليم محيسن.
ويبرز هذا النموذج في الإمارات من خلال الاستثمار في وجهات متكاملة، بدلاً من تطوير مشاريع منفردة. وتشير أرقام شركة ميرال، وهي شركة إماراتية متخصصة في تطوير وإدارة الوجهات والتجارب الغامرة في أبوظبي، إلى أن جزيرتي ياس والسعديات استقطبتا أكثر من 38 مليون زيارة خلال عام 2024، بزيادة 10% مقارنة بالعام السابق، فيما بلغ معدل إشغال الفنادق 82%، وارتفع متوسط سعر الغرفة 17%، مع نمو الزيارات من الأسواق الدولية 40%.
وفي هذا السياق، أعلنت والت ديزني وشركة ميرال في مايو (أيار) 2025 تطوير أول منتجع ومدينة ترفيهية لـ"ديزني" في الشرق الأوسط على جزيرة ياس، في مشروع يضاف إلى منظومة قائمة تجمع الترفيه، والضيافة، والفعاليات، بما ينسجم مع مفهوم إدارة الوجهات الذي يطرحه التقرير الدولي.
تنويع المنتج السياحي
ولا يقف التحول عند الاستثمار في البنية الترفيهية، إذ يضع تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تنويع المنتج السياحي ضمن محددات التنافسية.
وتشير بيانات دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن تطوير القطاعين الثقافي والسياحي في الإمارة، إلى أن اللوفر أبوظبي استقبل نحو 1.4 مليون زائر خلال عام 2025، فيما تجاوز عدد زيارات المواقع الثقافية والمكتبات 8.6 ملايين زيارة، في إطار توجه يربط الاستثمار الثقافي بتعزيز جاذبية الوجهة وتنويع مكوناتها.
المؤشرات الاقتصادية
واستقبلت دبي 19.59 مليون زائر دولي خلال عام 2025، وهو أعلى رقم سنوي في تاريخ الإمارة، وفق دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي، فيما أظهرت بيانات يناير (كانون الثاني) 2026 استمرار الزخم باستقبال مليوني زائر دولي، بزيادة 3% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.
وفي أبوظبي، استقبلت الإمارة 26.6 مليون زائر خلال عام 2025، فيما بلغت إيرادات القطاع الفندقي 9.1 مليار درهم (2.48 مليار دولار)، بنمو 19.5%، وفق دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي.
من نموذج موسمي إلى منظومة مستدامة
أعادت الإمارات تشكيل الدورة الاقتصادية للسياحة من نموذج موسمي إلى منظومة مستدامة تعمل على مدار العام، بحسب خبير الاقتصاد عبدالحليم محيسن، الذي يؤكد أن بناء أجندة متكاملة من الفعاليات الثقافية والترفيهية والتجارية والرياضية، إلى جانب الاستثمار في الوجهات المتخصصة، أسهم في إعادة توزيع الطلب السياحي بين الفصول وتعظيم العائد الاقتصادي للقطاع.
ويشير إلى أن هذا النهج تُرجم إلى روزنامة سنوية تستهدف شرائح مختلفة من الزوار، إذ تستضيف دبي فعاليات كبرى مثل مهرجان دبي للتسوق ومفاجآت صيف دبي، إلى جانب أجندة متواصلة من المعارض والمؤتمرات الدولية، وفق دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي. وفي أبوظبي، تشمل الأجندة مهرجان أبوظبي، وجائزة أبوظبي الكبرى للفورمولا 1، فضلاً عن سلسلة من الفعاليات الثقافية والترفيهية التي تنظمها دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي على مدار العام.
استقطاب أبرز العلامات الترفيهية العالمية
ويضيف محيسن أن هذا المسار يتكامل مع استقطاب أبرز العلامات الترفيهية العالمية، بما يعزز تنوع المنتج السياحي ويطيل دورة الطلب على مدار العام. ففي أبوظبي، تضم جزيرة ياس عالم فيراري أبوظبي، وعالم وارنر براذرز أبوظبي، وسي وورلد جزيرة ياس، أبوظبي، وياس ووتروورلد، فيما يضم مجمع دبي باركس آند ريزورتس موشنجيت دبي، وليغولاند دبي، وليغولاند ووتر بارك، وريال مدريد وورلد، أول مدينة ترفيهية تحمل علامة النادي الإسباني عالمياً.
ويخلص محيسن إلى أن هذا التكامل لم يرفع جاذبية الإمارات كوجهة سياحية فحسب، بل رسّخ نموذجاً اقتصادياً متعدد المحركات، تتشابك فيه السياحة مع الضيافة، والنقل، والثقافة، والتجزئة، والفعاليات، بما أسهم في تقليص أثر الموسمية، وتعزيز مرونة القطاع، وترسيخ مساهمته كأحد روافد النمو الاقتصادي غير النفطي.