إعادة تشكيل سوق العمل عالمياً (الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
إعادة تشكيل سوق العمل عالمياً (الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
الإثنين 6 يوليو 2026 / 12:28

خاص 24| الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة الوظائف والجامعات أمام تحول حاسم

تتغير متطلبات التوظيف بوتيرة متسارعة خلال السنوات الأخيرة، فرغم أن الذكاء الاصطناعي لا يتفوق على الإنسان في الفهم العميق أو الإبداع الأصيل، ولكنه يسبقه بفارق كبير في السرعة وكفاءة تحليل البيانات، ما يدفع الشركات إلى الاعتماد على الأنظمة الذكية لتنفيذ مهام كانت تمثل نقطة الانطلاق الطبيعية للخريجين في سوق العمل. 

محمد عزام: "الذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف بقدر ما يغير طبيعة العمل"

ألغت الجامعات في الصين أكثر من 30% من برامج البكالوريوس بين 2021 و2025، بينما أعلنت جامعة سيراكيوز الأمريكية في 2026 إلغاء أو تعليق 93 برنامجاً

اختفاء السلم التقليدي

ويكشف تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بالتعاون مع برايس ووترهاوس كوبرز، أن الذكاء الاصطناعي لن يستبدل الوظائف بالكامل، وإنما يعيد تصميمها ويغير المهارات المطلوبة بوتيرة متسارعة.

ووفق التقرير الذي تستند قاعدة بياناته لأكثر من 9 آلاف موظف مبتدئ في 48 دولة، يعمل أكثر من واحد من كل ثلاثة شباب حول العالم في وظائف تواجه تغيرات متوسطة أو مرتفعة بفعل الذكاء الاصطناعي، بينما تصل النسبة إلى 37% من إجمالي الشباب العاملين عالمياً. 

وتشهد الوظائف الأكثر تعرضاً لتأثير الذكاء الاصطناعي تغيراً في المهارات المطلوبة بمعدل يزيد 2.2 مرة مقارنة بالوظائف الأخرى، فيما يعتقد 28% من الموظفين في بداية حياتهم المهنية أن نصف مهاراتهم الحالية أو أكثر قد يفقد أهميته خلال السنوات الثلاث المقبلة.

كما تمتد تداعيات الذكاء الاصطناعي إلى الإنتاجية والنمو الاقتصادي وفرص الأفراد في تحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية. 

وتعتمد الشركات على وكلاء الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام الأساسية، مثل إعداد التقارير وإجراء التحليلات الأولية، بما يقلص الفرص التي كانت تمثل بداية المسار المهني للخريجين لاكتساب الخبرة والمهارة، ليصبح الحصول على أول وظيفة أمراً أكثر صعوبة.

وتدعم بيانات سوق العمل هذا الاتجاه، إذ تظهر أرقام شركة "ريفيليو لابس"، أن إعلانات الوظائف المبتدئة في الولايات المتحدة تراجعت بنحو 35% خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، بالتزامن مع توسع الشركات في استخدام التطبيقات الذكية لتنفيذ المهام الأساسية.

الوظائف الأكثر صموداً

وفي ظل هذه التحولات، يرى مؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس أن أربعة مجالات تتمتع بأعلى قدرة على الصمود أمام الأتمتة الكاملة، وهي:

تطوير الأنظمة الذكية: مثل مهندسي البرمجيات، ومطوري الذكاء الاصطناعي، وعلماء البيانات.

البحث العلمي في مجالات الطب والتقنيات الحيوية: ويضم الباحثين في علوم الأحياء، والهندسة الوراثية، واكتشاف الأدوية.

قطاع الطاقة: ويشمل مجالات النفط والغاز، والطاقة المتجددة، وإدارة شبكات الكهرباء.

الرياضة الاحترافية: وتشمل الرياضيين والمدربين، حيث يعتمد هذا المجال على المهارات البدنية واتخاذ القرارات السريعة والتفاعل البشري.

ويعزو ذلك إلى اعتماد هذه المجالات على الابتكار والإبداع واتخاذ القرارات المعقدة والتفاعل البشري، وهي عناصر يصعب على أنظمة الذكاء الاصطناعي محاكاتها بالكامل.

الإمارات تستفيد من التحول

إقليمياً، تتصدر دولة الإمارات النمو العالمي في تركز مواهب الذكاء الاصطناعي بنسبة 121%، وفق مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد.

وينعكس هذا الاتجاه على سوق العمل، إذ يرتفع الطلب على مهندسي الذكاء الاصطناعي، وخبراء الأمن السيبراني، وعلماء البيانات، ومهندسي الحلول السحابية، مقابل تراجع الطلب على وظائف إدخال البيانات، والأرشفة، وخدمة العملاء التقليدية، وبعض الأعمال المحاسبية الروتينية.

كما يدفع النقص العالمي في المتخصصين إلى ارتفاع الأجور بصورة متسارعة، إذ يتراوح متوسط الراتب السنوي لمهندس الذكاء الاصطناعي في الإمارات بين 180 ألفاً و400 ألف درهم، بينما تقدم شركات التكنولوجيا العالمية حزم تعويضات تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات سنوياً، وقد تبلغ ملايين الدولارات عند احتساب الأسهم والمكافآت.

شرط البقاء في سوق العمل 

وفي هذا الشأن، قال الدكتور محمد عزام خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات، في تصريحات خاصة لـ 24، إن الذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف بقدر ما يغير طبيعة العمل، موضحاً أن الإنسان لن يستطيع منافسة الآلة في المهام التي تنجزها بكفاءة أعلى، بينما تظل ميزته في الابتكار والخيال والقدرة على التكيف.

وأضاف أن التحدي الحقيقي يتمثل في انتقال الذكاء الاصطناعي من تنفيذ المهام الروتينية إلى أداء مهام أكثر تعقيداً بفضل قدرته على التعلم، مؤكداً أن الحل لا يكمن في منافسة الآلات، بل في تطوير المهارات والتعلم المستمر والتكيف مع متطلبات سوق العمل. 

ويرى الخبير التكنولوجي أن الخيال البشري سيظل العامل الأبرز الذي يمنح الإنسان ميزة يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها بالكامل.

الجامعات أمام اختبار جديد

تواجه الجامعات ضغوطاً لإعادة هيكلة برامجها لمواكبة الاقتصاد الرقمي، ففي الصين ألغت الجامعات أكثر من 30% من برامج البكالوريوس بين 2021 و2025، مع تقليص تخصصات مثل اللغات والترجمة والفنون والإدارة، مقابل التوسع في برامج الذكاء الاصطناعي والروبوتات وعلوم البيانات وأشباه الموصلات، في إطار مواءمة التعليم مع احتياجات الاقتصاد الرقمي. 

وأعلنت جامعة سيراكيوز الأمريكية في 2026 إلغاء أو تعليق 93 برنامجاً، شملت عدداً من تخصصات العلوم الإنسانية واللغات والفنون، مثل الفرنسية والألمانية والروسية والدراسات الكلاسيكية، بهدف توجيه الموارد إلى البرامج الأعلى طلباً والأكثر ارتباطاً باحتياجات سوق العمل، بالتزامن مع إطلاق برامج جديدة في علوم الذكاء الاصطناعي والتوسع في علوم البيانات. كما يفكر نحو نصف طلاب الجامعات في الولايات المتحدة في تغيير تخصصاتهم لتلبية متطلبات سوق العمل، فيما غيّر 16% منهم مسارهم الدراسي بالفعل.