صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
الجمعة 17 يوليو 2026 / 00:26

من القصور إلى خطوط الإنتاج.. كيف بدأت قصة السيارات في مصر؟

عام 1904، انطلق الأمير عزيز حسن، حفيد الخديوي إسماعيل، من القاهرة إلى الإسكندرية داخل سيارة فرنسية من طراز "دي ديون بوتون"، في رحلة امتدت لنحو 210 كيلومترات واستغرقت أكثر من 10 ساعات. لم يكن بطء الرحلة مرتبطاً بقدرات السيارة وحدها، إذ كانت مصر لا تزال تفتقر إلى الطرق والجسور المهيأة للمركبات، واضطر الأمير ورفيقاه إلى عبور مناطق زراعية، وعلى الرغم من التأكيدات بأن السيارة التي قادها الأمير واحدة من أوائل السيارات التي دخلت مصر، إلا أنه لم تتوافر وثيقة تحسم أنها الأولى على الإطلاق.

سيارات بلا طرق

كانت السيارة في بدايتها سلعة نادرة تخص أفراد العائلة الحاكمة والأثرياء وكبار التجار والأجانب المقيمين في مصر. وتشير دراسة عن ثقافة السيارات في القاهرة إلى وجود 23 سيارة فقط في مصر عام 1900، قبل أن يرتفع العدد إلى نحو 110 سيارات في القاهرة عام 1905، بينما سجلت الإسكندرية 56 سيارة في العام نفسه. وبحلول 1909، وصل عدد المركبات الآلية بمختلف أنواعها في القاهرة إلى 572 مركبة.

سيارات تعود إلى العقود الأولى من انتشار المركبات في مصر، حين ظل امتلاكها مقصوراً على الطبقات العليا.
 

لم تكن السيارات آنذاك وسيلة نقل جديدة تم إضافتها إلى الشوارع فقط، ولكنها فرضت أنشطة وبنية أساسية لم تكن موجودة من قبل، مثل الجراجات ومحطات الخدمة، كما أن بعض الشوارع تم تمهيدها وتجهيزها لاستيعاب المركبات التي ظلت تسير إلى جانب عربات الخيول والدراجات والترام.

اتسعت الثقافة الجديدة في مصر مع تأسيس نادي السيارات الملكي عام 1924، ورغم ذلك، ظلت في إطار الطبقات العليا فقط، إذ بدأ النادي بـ50 عضواً مؤسساً تحت رعاية الملك فؤاد الأول، قبل أن يرتفع أعضائه إلى نحو 600 بحلول عام 1927، وآنذاك تحولت سباقات السيارات ومعارضها إلى جزء من النشاط الاجتماعي في القاهرة والإسكندرية.

شركات أجنبية قبل التصنيع الوطني

سبق وجود شركات السيارات الأجنبية في مصر قيام ثورة يوليو 1952 بعقود، وتقول "جنرال موتورز"، إنها بدأت استيراد السيارات إلى السوق المصرية عام 1922، ثم افتتحت في الإسكندرية عام 1926 أول مكتب لها في الشرق الأوسط. 

أما "فورد"، فأنشأت فرعاً في القاهرة عام 1926، وتوضح دراسة أكاديمية عن نشاطها في مصر أنها امتلكت منشأة في الإسكندرية منذ 1927، قبل أن تتوسع أنشطة تجميع المركبات لاحقاً.

ومع ذلك، لم يكن هذا الحضور يعني وجود صناعة مصرية متكاملة، إذ تركز النشاط في الاستيراد والتوزيع والخدمة، إلى جانب تجميع محدود تقوده الشركات الأجنبية.

"رمسيس" و"النصر".. مشروعان لا مشروع واحد

مع بداية الستينيات، اتجهت مصر إلى إنتاج جانب من السلع التي كانت تعتمد على استيرادها، ومنها السيارات، ضمن خطط لتقليل فاتورة الواردات وبناء خبرة صناعية محلية. وفي ربيع 1960، بدأت الشركة المصرية لصناعة السيارات مفاوضات مع شركة "NSU" الألمانية، التي أرسلت إلى مصر في يونيو (حزيران) من العام نفسه أولى مجموعات المحركات والهياكل، لتبدأ بعدها تجربة إنتاج السيارة "رمسيس".

وفي الفترة نفسها، أُنشئت شركة النصر لصناعة السيارات بقرار جمهوري صدر في 23 مايو (أيار) 1960. ورغم ارتباط اسمي "رمسيس" و"النصر" ببدايات صناعة السيارات في مصر، فإن كل مشروع منهما كان منفصلاً عن الآخر، وإن جمعهما هدف واحد هو تقليل الاعتماد على السيارات المستوردة وبناء صناعة محلية.

وبُنيت "النصر" باعتبارها مجمعاً صناعياً واسعاً، لا مجرد خط لتركيب السيارات، إذ ضمت خطوطاً لسيارات الركوب والحافلات والشاحنات والجرارات، إلى جانب مصانع للمكبوسات والأجزاء الميكانيكية والتروس والعدد والقوالب. ومن هنا بدأت المرحلة التي ستقدم للمصريين أسماء مثل "نصر 1100" و"128" و"شاهين"، وتحول السيارة من سلعة مرتبطة بالقصور والأثرياء إلى منتج يسعى المشروع الحكومي إلى توسيع وجوده في الشارع المصري.

مشهد من داخل أحد خطوط الإنتاج في "النصر"، التي مثلت أبرز مشروع حكومي لصناعة السيارات في مصر خلال الستينيات.

"رمسيس".. حلم أكبر من طاقة المصنع

لم تكن "رمسيس" سيارة مصرية خالصة، لكنها حملت اسماً محلياً وجسدت في بداية الستينيات رغبة الدولة في تأسيس صناعة لا تكتفي باستيراد المركبات. اعتمدت السيارة على محرك وهيكل من طراز "NSU Prinz" الألماني، فيما جرى تصنيع جسمها وتجميعها في مصر بقدر كبير من العمل اليدوي. وظهرت منها نسخة مكشوفة، وأخرى سيدان، إلى جانب مركبات خُصصت للبريد.

"رمسيس" أمام الأهرامات.. صورة تختصر البعد الرمزي لمحاولة إنتاج سيارة تحمل هوية مصرية في الستينيات

وتقول "أودي"، التي تحتفظ بأرشيف شركة "NSU"، إن الإنتاج بقي محدوداً عند نحو 3 أو 4 سيارات يومياً، رغم الطموح إلى الوصول لاحقاً إلى 10 آلاف سيارة سنوياً. واستمرت التجربة حتى انتهاء اتفاق الترخيص عام 1973، من دون أن تتحول إلى إنتاج واسع، في ظل نقص المعدات والآلات اللازمة للتصنيع بكميات كبيرة.

من "1100" إلى "128"

سلكت شركة "النصر" طريقاً مختلفاً عن تجربة "رمسيس"، فاعتمدت على إنتاج طرازات أجنبية بترخيص محلي، بدلاً من تصميم سيارة مصرية كاملة من الصفر، وعلى مدار سنوات، خرجت من مصانعها العديد من السيارات، بينها "نصر 1100" و"125" و"126" و"127" و"128" و"131"، ثم "بولونيز" و"دوجان" و"شاهين" و"فلوريدا"، إلى جانب الحافلات والشاحنات والجرارات.

سيارة "نصر 128" أصبحت من أكثر طرازات "النصر" حضوراً في الشارع المصري على امتداد سنوات طويلة

لكن "نصر 128" كانت الأكثر حضوراً في ذاكرة المصريين، بعدما ظلت لسنوات طويلة واحدة من السيارات المألوفة في الشوارع، وارتبطت بمرحلة اتسع فيها امتلاك الأسر للسيارات. ولم تكن "128" مصرية التصميم، إذ اعتمدت على طراز "فيات 128"، ثم على مكونات وفرتها شركة "زاستافا" اليوغوسلافية في مراحل لاحقة، لكنها مثلت خطوة مهمة في انتقال "النصر" من التركيز على المركبات التجارية إلى إنتاج سيارة ركوب موجهة إلى شريحة أوسع من السوق.

ولم يكن دور الشركة يقتصر على تجميع الأجزاء المستوردة، فقد ضم مجمعها الصناعي خطوطاً للكبس واللحام ومعالجة هياكل السيارات والدهان، إلى جانب مصانع لإنتاج أجزاء ميكانيكية وتروس وعدد وقوالب. وفي مرحلة تالية، بدأت الشركة إنتاج "شاهين" بالتعاون مع "توفاش" التركية، لتصبح من آخر سيارات الركوب التي حملت علامة "نصر" قبل توقف الإنتاج.

الانفتاح يغير الخريطة

مع سياسة الانفتاح، لم تعد صناعة السيارات محصورة في شركة حكومية واحدة، ففي 1977، تأسست الشركة العربية الأمريكية للسيارات كشراكة مع "أمريكان موتورز"، وارتبطت بدايتها بإنتاج سيارات "جيب"، قبل أن تتوسع في المركبات المدنية. وتقول الهيئة العربية للتصنيع إن الشركة أنتجت منذ 1978 نحو 25 طرازاً لصالح 17 شركة مختلفة.

وفي 1983، تأسست "جنرال موتورز مصر"، التي تصف نفسها بأنها أول شركة خاصة لتصنيع السيارات في البلاد، وبدأت الإنتاج عام 1985، ليشمل سيارات الركوب والبيك أب والشاحنات الخفيفة والفانات والحافلات الصغيرة. ثم اتسعت الخريطة في التسعينيات والألفية مع دخول علامات وشركات جديدة، وفي 2005 أصبحت "نيسان" أول شركة سيارات يابانية تنشئ مصنعاً لها في مصر.

عودة "النصر".. هل تتغير القصة؟

بعد غياب استمر نحو 15 عاماً، عادت شركة "النصر" إلى الإنتاج في 2024، لكن البداية هذه المرة لم تكن من سيارات الركوب، بل من الحافلات والميني باص. وبدأت الشركة إنتاج حافلة "نصر سكاي" بمكون محلي معلن يبلغ 63.5%، إلى جانب ميني باص "نصر ستار" الذي تتجاوز نسبة مكونه المحلي 70%، فضلاً عن ميني باص يعمل بالكهرباء.

عادت شركة "النصر" إلى الإنتاج من بوابة الحافلات، بعد توقف استمر أكثر من 15 عاماً.
 

ووقعت الشركة في يونيو (حزيران) 2026، اتفاقاً مع مجموعة "فاو" الصينية لإنتاج مجموعة من المركبات تحت علامة "نصر"، بالإضافة إلى خطط معلنة لنقل التكنولوجيا وزيادة المكون المحلي وفتح أسواق للتصدير. 

ويتزامن ذلك مع برنامج حكومي يستهدف رفع المكون الصناعي المحلي إلى أكثر من 35%، والوصول بالإنتاج السنوي داخل إطار البرنامج إلى 100 ألف مركبة.