عملة الروبل الروسية (رويترز)
عملة الروبل الروسية (رويترز)
الأحد 19 يوليو 2026 / 13:10

اقتصاد الظل.. لماذا عاد الروس إلى استخدام "الكاش"؟

24- وسائل إعلام

شهدت الأسواق الروسية مؤخراً قفزات متتالية في عمليات سحب السيولة النقدية، مع سعي المواطنين لتأمين ملاذات آمنة تحميهم من ضبابية المشهد الاقتصادي والسياسي في الوقت الحالي.

فبعد مرور أكثر من 4 سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا، عاد الروس بقوة إلى استخدام العملات الورقية (الكاش). ويأتي هذا التحول مدفوعاً بانقطاعات متكررة في خدمات الإنترنت وتأثيرها على الهواتف المحمولة والتي تعوق المدفوعات الإلكترونية، فضلاً عن رغبة متزايدة لدى قطاع الأعمال في التهرب الضريبي لمواجهة الضغوط المالية المتصاعدة.

​أرقام قياسية وانقطاعات أمنية

و​وفق بيانات البنك المركزي الروسي التي حللتها هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، ضخت موسكو نحو 20 مليار دولار من النقد في التداول منذ مطلع العام الحالي. وتمثل هذه القفزة أكبر زيادة تسجلها البلاد خلال فترة مماثلة خارج نطاق أزمة جائحة كوفيد-19.

​وتزامن هذا الارتفاع الحاد مع موجة هجمات بالطائرات المسيرة الأوكرانية، وهي الهجمات التي دفعت الكرملين مراراً إلى قطع خدمات إنترنت المحمول عن مناطق شاسعة في البلاد لدواعٍ أمنية، مما شل قدرة المواطنين على السداد عبر البطاقات المصرفية.

​وفي هذا السياق، صرحت سيدة تقطن موسكو لـ "بي بي سي"، ورفضت ذكر اسمها، قائلة:​ "الاحتفاظ بالسيولة النقدية يمنحنا شعوراً بالسيطرة والأمان. ففي حال وقوع أي طارئ وانقطاع الشبكات، أضمن قدرتي على شراء المستلزمات الأساسية".

سلاح ضد المجهول

لا تعد هذه الموجة الأولى من نوعها، إذ يعكس تزايد الطلب على "الكاش" غريزة متأصلة لدى الروس للتحوط ضد الأزمات. إذ قفز النقد المتداول سابقاً عقب إعلان الرئيس فلاديمير بوتين عن التعبئة الجزئية في سبتمبر (أيلول) 2022، وتكرر المشهد ذاته إبان التمرد القصير لمجموعة "فاغنر" العسكرية الخاصة في يونيو (حزيران) 2023.

​إلا أن هذا التوجه بات اليوم يشكل معضلة حقيقية لخطط الحكومة، إذ يعوق قدرتها على تحصيل الضرائب في وقت يواجه فيه الميزان العام عجزاً متسعاً، وتشتد فيه حاجة الكرملين لكل "روبل" وهي العملة المحلية لروسيا لدعم المجهود الحربي في أوكرانيا.

​ورغم الانتعاش المؤقت لقطاع النفط والغاز الذي يغذي ربع إيرادات الدولة مستفيداً من قفزة الأسعار الأخيرة إثر الحرب الإيرانية، إلا أن المؤشرات الكلية تؤكد تباطؤ الاقتصاد الأوسع نطاقاً. ففي مايو (أيار) الماضي، خفضت وزارة الاقتصاد الروسية توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026 إلى 0.4% فقط، ملوحة بأضعف أداء اقتصادي للبلاد منذ 2022.

الهروب إلى "الظل"

و​سعياً لتعزيز خزينة الدولة، رفع الكرملين ضريبة القيمة المضافة من 20% إلى 22% في يناير(كانون الثاني) الماضي، مع خفض الحد الأدنى لإعفاء الشركات الصغيرة والمتوسطة، ما وضع الكثير من المنشآت على حافة الانهيار.

​ومع تآكل هوامش الربح بفعل التضخم والعبء الضريبي، بدأت الصيدليات، المطاعم، صالونات التجميل، والمتاجر الصغيرة توجيه زبائنها بوضوح نحو الدفع نقداً، لإبقاء أرباحها بعيدة عن الدفاتر الرسمية.

​وتصف صاحبة متجر ملابس صغير في مدينة "بسكوف" الغربية هذا الوضع قائلة:​ "الأكشاك في سوقنا تلتهمها الإغلاقات المتتالية بعدما انعدمت الجدوى الاقتصادية. أما من صمد منا، فيتوسل إلى الزبائن للدفع كاش لتقليل المبالغ التي تمر عبر آلات الدفع الرسمية".

​من جانبه، حذر "تاراس سكفورتسوف"، المدير المالي لـ "سبيربانك" (أكبر بنك في روسيا)، من مؤشرات مقلقة تفيد بلجوء الشركات مجدداً إلى دفع الأجور "في أظرف مغلقة" تحت الطاولة. وأضاف في تصريحات نقلتها وكالة "إنترفاكس" ​"نحن أمام منعطف مقلق للغاية، فالسيولة لا تعود إلى النظام المصرفي عبر أجهزة الصراف الآلي أو الإيداع، بل تظل حبيسة أدراج المواطنين".

​وبحسب استطلاع أجرته جمعية "أوبورا روسيا" للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، أقر نحو 6% من رواد الأعمال بالاعتماد على "مخططات رمادية" – مثل التهرب من إصدار الفواتير – للالتفاف على العبء الضريبي الجديد وخفض أرقام أعمالهم المعلنة قانوناً.

​صراع الأذرع الحكومية

و​أصبح كبح جماح "اقتصاد الظل" على رأس أولويات الكرملين، إذ كان الرئيس بوتين قد حذر قبيل تطبيق الزيادة الضريبية من دفع الشركات نحو القطاع غير الرسمي، داعياً إلى خفض جذري في العمالة غير القانونية.

​ويعلق "ألكسندر كولياندر"، الزميل الأقدم بمركز تحليل السياسات الأوروبية، على هذا التناقض قائلاً:​"بينما تسعى ذراع حكومية لعصر جيوب المواطنين عبر الضرائب والغرامات لتوفير السيولة، تقوم ذراع أخرى بدافع الهواجس الأمنية ومحاربة الإرهاب بتقويض هذه الاستراتيجية تماماً عبر قطع الإنترنت وعرقلة جباية تلك الضرائب".

​وأمام هذا المشهد، عادت إلى الواجهة غريزة الحقبة السوفيتية المتمثلة في اكتناز الأموال "تحت الوسائد"، ضاربة بعرض الحائط العوائد المغرية التي توفرها البنوك، إذ يمنح "سبيربانك" حالياً فائدة تصل إلى 10% على الودائع لأجل عام، في محاولة من البنك المركزي للسيطرة على التضخم العنيد المستعر بفعل الحرب.

​ورغم هذه المغريات، تكشف الأرقام الرسمية أن الروس سحبوا نحو 550 مليار روبل، أي نحو 7 مليارات دولار من حساباتهم المصرفية خلال شهر مايو(أيار) وحده.

​ويختتم "أنطون"، وهو كاتب إعلانات يعيش في موسكو، المشهد بالإشارة إلى أن بائعي التجزئة باتوا يعرضون خصومات مباشرة لمن يدفع نقداً تجنباً للضرائب.