شركة بريتش ستيل (رويترز)
الأحد 19 يوليو 2026 / 14:55
دخلت العلاقات الاقتصادية البريطانية- الصينية نفقاً جديداً من التوتر الدبلوماسي والقانوني، عقب إعلان مجموعة "جينجيه" الصينية العملاقة للصلب احتفاظها بكامل حقوقها القانونية، والتلويح باللجوء إلى التحكيم الدولي، رداً على قرار حكومة العمال البريطانية الاستحواذ الكامل وتأميم شركة "بريتيش ستيل"، في خطوة وصفتها المجموعة الصينية بـ"الاستحواذ القسري والمصادرة غير القانونية" لاستثماراتها.
وفي بيان شديد اللهجة نشرته عبر حسابها الرسمي على منصة "وي تشات"، أكدت مجموعة "جينجيه" أنها بدأت بالفعل مشاورات رسمية بموجب اتفاقيات الاستثمار الثنائية المشتركة بين البلدين للمطالبة بتعويضات مالية ضخمة عن أصولها المستحوذ عليها.
جذور الأزمة
ترجع جذور الصراع إلى مارس(آذار) 2020، عندما اشترت "جينجيه" أصول "بريتيش ستيل" المتعثرة مقابل 50 مليون جنيه إسترليني (نحو 67.5 مليون دولار). ورغم التعهد بضخ استثمارات تصل إلى 1.2 مليار جنيه إسترليني، واجهت المصانع نزيفاً مالياً حاداً بسبب قفزات أسعار الطاقة في بريطانيا والضرائب الكربونية، لتصل الخسائر إلى 700 ألف جنيه إسترليني يومياً بحلول 2025.
ونتيجة لذلك، دخلت المجموعة الصينية في مفاوضات مع الحكومة البريطانية لطلب حزم دعم مالي حكومي وإغلاق "الأفران العالية" التقليدية في مصنع "سكانيثورب" لاستبدالها بأفران القوس الكهربائي الصديقة للبيئة. ولم تقتصر عملية الإنقاذ على الشراء الفوري، بل امتدت لتشمل:
- الحفاظ على وظائف أكثر من 3200 عامل بريطاني وإنقاذ مجتمعات صناعية كاملة من الزوال.
- دعم الشركة مالياً خلال أزمتي كورونا والطاقة، وشطب أكثر من 360 مليون جنيه إسترليني (486 مليون دولار) من الديون عبر عمليات "مبادلة الديون بالأسهم" في عامي 2023 و2024.
دوافع لندن للتأميم
في المقابل، جاء قرار حكومة حزب العمال البريطانية بالتأميم بعد أن وصلت المفاوضات مع المالك الصيني بشأن حزم الإنقاذ المالي إلى طريق مسدود، وفي ظل نزيف مالي حاد للشركة تجاوز مليون جنيه إسترليني (1.35 مليون دولار) يومياً بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والضرائب الكربونية. وتتلخص الدوافع البريطانية خلف هذا التحول السيادي في ثلاثة محاور رئيسية:
- أولاً: الأمن القومي والاكتفاء الذاتي، حيث يُعد الفولاذ عصب الصناعات الدفاعية، وبناء السفن الحربية، والبنية التحتية الحساسة للسكك الحديدية. وفي ظل الاضطرابات الجيوسياسية الراهنة، رأت لندن أن الاعتماد الكامل على استيراد هذه المادة الاستراتيجية من الخارج- وتحديداً من الصين- يشكل مخاطرة استراتيجية عليا لا يمكن قبولها.
- ثانياً: معركة "الصلب البكر" والتحول البيئي، وكانت نقطة الخلاف الجوهرية تتمحور حول خطة "جينجيه" لإغلاق الأفران العالية التقليدية التي تعمل بالفحم في مصنع "سكانيثورب" واستبدالها بأفران القوس الكهربائي الصديقة للبيئة. ورغم أن الخطوة تتماشى مع الأهداف البيئية، إلا أن الأفران الكهربائية تنتج فولاذاً معاداً تدويره (من الخردة) لا يصلح للصناعات العسكرية والسكك الحديدية التي تتطلب "الفولاذ البكر". هذا التعارض دفع الدولة للتدخل لحماية قدرتها التصنيعية الخاصة.
- ثالثاً: تفادي كارثة اجتماعية، وكانت خطة التحول الصينية ستؤدي فوراً إلى تسريح نحو 2,000 عامل بريطاني، ما كان سيفجر أزمة اجتماعية وسياسية كبرى في المدن الصناعية، الأمر الذي سعت الحكومة لتجنبه عبر إبقاء فرني الصهر الرئيسيين قيد التشغيل تحت الإدارة العامة.
معركة تعويضات مرتقبة
ولم يتأخر الصدى السياسي للقرار في بكين، إذ أعربت وزارتا التجارة والخارجية الصينية عن "معارضتهما الشديدة واستيائهما البالغ"، معتبرتين أن بريطانيا تذرعت بـ "الأمن القومي" لتقليص النفوذ الصيني في البنى التحتية الحساسة، تماشياً مع الضغوط الغربية والأمريكية.
وقالت الصين: "إن هذا الإجراء يمثل ضربة موجعة لثقة الشركات الصينية الراغبة في الاستثمار داخل المملكة المتحدة، ويضع مصداقية بيئة الأعمال البريطانية تحت المجهر العالمي".
وفيما تشير تقارير مكتب التدقيق الوطني البريطاني إلى أن الإنفاق الحكومي على إدارة وتشغيل "بريتيش ستيل" قد يتجاوز 1.5 مليار جنيه إسترليني (2 مليار دولار) بحلول عام 2028، تترقب الأسواق العالمية ما ستسفر عنه جولة الصراع القانوني القادمة.
وستعتمد صياغة مستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل كبير على نتائج المفاوضات المالية، فإما أن تنجح لجنة التقييم المستقلة البريطانية في تقديم تسوية مالية عادلة ترضي تطلعات مجموعة "جينجيه" وتخفف من غضب بكين، أو أن القضية ستتجه نحو أروقة المحاكم الدولية، مما سيعمق الخلاف التجاري بين لندن وبكين.