مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ ف ب)
مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ ف ب)
الإثنين 20 يوليو 2026 / 14:59

"الثغرة لم تُغلق".. بوح دبلوماسي يشي بانشطارات داخل إيران

24 - محمد طارق

يرى مختصون في الشأن الإيراني وتقارير محلية أن إقرار وزير الخارجية عباس عراقجي باحتمال وجود "ثغرة أمنية" داخل هياكل صناعة القرار، تعكس انشطارات كامنة بين أقطاب الحكم وأجنحته العسكرية والاستخبارية والأمنية، مع دخول الجولة الثانية من الحرب الأمريكية-الإيرانية أسبوعها الثاني.

خبير في الشؤون الإيرانية: اختراق إيران بشري بالأساس.. والثغرة قد تصل إلى القيادات

هاني سليمان لـ"24": عملاء داخل الحرس والباسيج.. وتعدد الأجهزة يصعب مواجهتهم

عملاء يعطلون الدفاعات ويضللون القرار.. وإيران لم تغلق الثغرة

وكان عراقجي كشف في مقابلة نادرة مع الإعلامي المحافظ جواد موغويي، أن إحداثيات وتوقيت اجتماعات متزامنة في مواقع متعددة داخل مقرات القيادة ربما سربت للمهاجمين عشية ويوم الغارات الأمريكية الإسرائيلية، التي قضت على رأس الحكم ومفاصل هندسة القرار السيادي في إيران

وبحسب موقع "تابناك" الإيراني، فإن عراقجي يرى أن معرفة تلك المواعيد والأماكن تكشف احتمالات ثغرة أمنية بشرية لا تزال غير مكتشفة حتى الآن، وقد يمتد خيطها إلى "توجيه صناعة القرار" والتأثير في البيئة النفسية داخل البلاد.

عراقجي يعترف باختراق محتمل داخل إيران قبل بدء الحرب - موقع 24كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كواليس خطيرة حول حدوث اختراق أمني للقاءات حكومية وعسكرية، قبل اندلاع الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي.

استعداد لم يمنع الاختراق

ينفي عراقجي أن تكون إيران قد فوجئت بالحرب في 28 فبراير (شباط). ويقول إن المجلس الأعلى للأمن القومي كان عقد اجتماعات عديدة قبل اندلاعها، ووضع سيناريوهات للتعامل مع احتمالات مختلفة، بينها مشاركة الولايات المتحدة في الهجوم واستهداف القيادة الإيرانية. على أن الاستعداد النظري للحرب لم يمنع، وفق روايته، وصول المهاجمين إلى معلومات دقيقة عن اجتماعات القيادة في يومها الأول.

وتفيد منصة "فرارو" الإيرانية، بأن تصريحات عراقجي تنقل النقاش من احتمال وجود أشخاص يجمعون المعلومات إلى مراجعة القرارات والنصائح والتقديرات التي قدمت باعتبارها تخدم الأمن القومي، بينما ربما دفعت البلاد في اتجاه معاكس.

ولم تعلن السلطات الإيرانية حتى الآن اسماً أو مؤسسة بعينها مسؤولة عن الثغرة، غير أن تعدد المواقع المستهدفة وتزامن الضربات أعادا الشكوك، في وسائل الإعلام الإيرانية، إلى الدوائر التي تملك حق الاطلاع على جداول اجتماعات القيادة وتحركات المسؤولين.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور هاني سليمان، الباحث والخبير في الشؤون الإيرانية، والمدير التنفيذي للمركز العربي للبحوث والدراسات، لـ"24"، إن حديث عراقجي يشير، في المقام الأول، إلى وجود خرق بشري داخل عدد من الأجهزة الأمنية والعسكرية الإيرانية، ظهر بصورة واضحة خلال الفترة التي سبقت الحرب وفي أثناء العمليات العسكرية.

ويوضح سليمان أن هذا الاختراق لا يقتصر، بحسب تقديره، على عملاء زُرعوا من الخارج، بل قد يشمل عناصر موجودة بالفعل داخل مؤسسات مثل الحرس الثوري والباسيج وغيرها من الأجهزة الأمنية والعسكرية. ويرى أن خطورة تصريحات عراقجي تكمن في احتمال ألا يكون الاختراق محصوراً في المستويات الدنيا أو المتوسطة، بل ربما امتد إلى شخصيات تشغل مواقع قيادية وتملك القدرة على الوصول إلى معلومات شديدة الحساسية.

ويضيف أن أجهزة الاستخبارات لا تكتفي عادة بمحاولة استمالة المعارضين أو الشخصيات البعيدة عن النظام، بل تسعى إلى الوصول إلى الدوائر الأقرب إلى مراكز القوة وصنع القرار. ولا يستبعد وجود اتصالات غير مباشرة أو محاولات لاستمالة شخصيات محسوبة على المعارضة أو التيار الإصلاحي، لكنه يعتبر أن المؤشرات الأهم تتعلق باختراقات داخل التيار الأصولي نفسه، وفي المؤسسات الأمنية والحرس الثوري والباسيج.

وبحسب سليمان، ظهرت مؤشرات هذا الاختراق خلال الحرب في تنفيذ عمليات نوعية داخل إيران، من بينها تعطيل منصات للدفاع الصاروخي، والعبث بمنشآت تابعة للحرس الثوري، ووضع علامات أو إشارات على بعض الأهداف الحيوية تمهيداً لاستهدافها. كما يرى أن سرعة وصول معلومات وصور مرتبطة ببعض عمليات الاغتيال والاستهداف إلى الخارج تكشف مستوى واسعاً من الوصول إلى الدوائر الأمنية الإيرانية.

غليان في إيران.. كواليس "الانقلاب الناعم" على مجتبى خامنئي - موقع 24بينما كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، يسير بخطى ثقيلة إلى جانب نعش المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، في العاصمة طهران، لم تكن الهتافات المدوّية الصادرة عن الحشود في الجنازة رثاء للمرشد الراحل، بل سهاماً موجّهة إليه مباشرة وبصوت واحد: "الموت للمساوم".

مخترق كبير

في وقت سابق، وصف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، ملف الاختراق داخل إيران بأنه "جدي"، كما تحدث الرئيس السابق لهيئة الإذاعة والتلفزيون محمد سرافراز، عن احتمال وجود "مخترق كبير" في مستويات عليا من الحكم.

ورفض سرافراز تحميل تطبيقات الاتصال، مثل "واتساب"، المسؤولية وحدها عن تسريب المعلومات، مشيراً إلى أن هذا التفسير يصرف الأنظار عن المستويات الأعلى، وأضاف أن الاختراق قد يحدث عبر أشخاص يرفعون شعارات متشددة ويقتربون من المؤسسات الأمنية ودوائر الحكم، وفقاً لما نقله موقع "فرارو".

ومن داخل المؤسسة العسكرية، يقدم القائد السابق في الحرس الثوري حسين علائي تفسيراً آخر يركز على الإخفاق المؤسسي ويقول في مقابلة مع صحيفة "شرق" الإيرانية، إن حربي 2025 و2026 أظهرتا خللاً أساسياً في منظومة الحصول على المعلومات في الوقت المناسب، وإن الأجهزة الأمنية لم تتمكن من تحذير القيادة والقادة العسكريين أو تقليل قابليتهم للاستهداف.

وطالب علائي بمراجعة جذرية لهياكل الأجهزة الاستخباراتية وتحديد مهمات كل منها، بدلاً من اختزال ما حدث في خيانة فردية، وفق صحيفة "دنياي اقتصاد" الإيرانية.

ولا يرى سليمان تعارضاً بين الاختراق البشري والخلل المؤسسي، موضحاً أن وجود عملاء داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية قد يقود بدوره إلى إضعاف عمل هذه المؤسسات، وتمرير معلومات غير دقيقة أو تقارير مضللة إلى المسؤولين وصناع القرار.

ويشير إلى أن بعض العناصر المخترقة لا يكون دورها مقتصراً على نقل المعلومات، إذ يمكن استخدامها أيضاً في تمرير تقديرات مغلوطة، أو حجب معلومات مهمة، أو تقديم تقارير تدفع المسؤولين إلى اتخاذ قرارات بناءً على صورة غير مكتملة أو غير صحيحة.

ويعتبر سليمان أن توجيه المعلومات والتقارير يمثل مستوى ثانياً من مستويات الاختراق، وليس بديلاً عن الاختراق البشري، ويقول إن حديث عراقجي ينطلق، في الأساس، من وجود عناصر جرى تجنيدها داخل المؤسسات، ثم استُخدم بعضها في جمع المعلومات أو تضليل صانع القرار والتأثير في حساباته.

"نيويورك تايمز" تكشف خيوط خطة إسرائيلية لـ"تجنيد" أحمدي نجاد - موقع 24كشف تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية تفاصيل ما وصفه بخطة إسرائيلية لـ"تجنيد" الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، موضحة أن طهران حاولت التصدي لهذه المحاولات بفرض الإقامة الجبرية عليه.

أجهزة تراقب بعضها

وتعيد هذه الانتقادات إلى الواجهة تحذيراً أطلقه وزير الاستخبارات الأسبق علي يونسي في 2021، حين اعتبر أن تعدد الأجهزة الموازية وتنافسها أضعفا وزارة الاستخبارات، وأن انشغال بعض المؤسسات بمراقبة المعارضين والمنتقدين الداخليين فتح المجال أمام أجهزة أجنبية للتوسع داخل البلاد.

ويربط سليمان صعوبة حصر الاختراق ومكافحته بتعدد المؤسسات الأمنية والعسكرية الإيرانية وتداخل اختصاصاتها، موضحاً أن النظام الإيراني لا يعتمد على جهاز واحد يحتكر العمل الأمني أو الاستخباراتي، وإنما يضم مجموعة كبيرة من المؤسسات التي تعمل أحياناً في المساحات نفسها.

ويشير إلى أنشطة الجيش النظامي والحرس الثوري والباسيج والشرطة وقوات مكافحة الشغب، إلى جانب وزارة الاستخبارات والمجالس المرتبطة بالأمن والقيادة وصناعة القرار، ويقول إن بعض هذه المؤسسات يؤدي أدواراً أمنية، وبعضها يتولى مهمات عسكرية أو استخباراتية، بينما تجمع مؤسسات أخرى بين أدوار سياسية ودستورية ودينية.

وبحسب سليمان، يؤدي تداخل المسؤوليات وضبابية حدود الاختصاص أحياناً إلى منافسة بين المؤسسات، وربما إلى صراعات ومحاولات لإضعاف بعضها بعضاً، كما يمنح هذا التعدد العناصر المخترقة مساحة أوسع للحركة، ويجعل من الصعب تحديد الجهة التي خرجت منها المعلومات أو اكتشاف الحلقة التي تعرضت للاختراق.

ويرى أن اختلاف وتعدد مراكز صنع القرار يمثلان أحد الأسباب الرئيسية وراء استمرار المشكلة، خصوصاً أن بعض المؤسسات، وفي مقدمتها الحرس الثوري والباسيج، قامت منذ تأسيسها على الولاء الأيديولوجي والحماسة الثورية، وليس على الفاعلية والكفاءة وحدهما.

ويقول سليمان إن هذه المؤسسات خضعت في السنوات الأولى التي أعقبت الثورة الإيرانية عام 1979 لضوابط أكثر صرامة، لكن حاجتها لاحقاً إلى توسيع أعداد عناصرها وفتح أبوابها أمام مزيد من المنضمين جعلت السيطرة عليها أكثر صعوبة، ووفرت ثغرات قد تستغلها أجهزة استخبارات أجنبية في تجنيد عناصر أو بناء شبكات داخلية.

ويضيف أن النظام الإيراني، رغم حملات التوقيف والملاحقة التي نفذها، لم يتمكن من السيطرة الكاملة على مساحة الاختراق، ويرى أن ظهور بعض القيادات في المناسبات العامة ومراسم التشييع قد يتيح لعناصر موجودة في الداخل تعقب تحركاتهم أو تحديد مساراتهم، ما قد يمهد لمزيد من عمليات الاستهداف إذا اتسع الصراع مستقبلاً أو عادت الاغتيالات إلى الواجهة.

تراشق باللوم

أما الجناح المتشدد، فيوجه جانباً من المسؤولية إلى المسار الدبلوماسي، ويربط بين المفاوضات السابقة للحرب وتراجع الاستعداد لمواجهة هجوم وشيك. لكن عراقجي يجادل بأن ذلك "تصور مغلوط"، مؤكداً أن خوض المفاوضات "لم يكن قراراً شخصياً، وإنما قرار جماعي اتخذته مؤسسات النظام".

ولا تبدو الثغرة جديدة، إذ سبقتها سرقة الأرشيف النووي في 2018، واغتيال محسن فخري زاده وإسماعيل هنية، ثم استهداف قادة وعلماء خلال حرب يونيو (حزيران) 2025، لذلك يعيد اعتراف عراقجي طرح السؤال عن موقع الاختراق، وما إذا كان قد وصل إلى دوائر صنع القرار.