برج المقر الرئيسي لبنك التسويات الدولية (BIS) في بازل بسويسرا - AI (رويترز)
برج المقر الرئيسي لبنك التسويات الدولية (BIS) في بازل بسويسرا - AI (رويترز)
الأربعاء 29 يوليو 2026 / 22:17

خاص 24| الذكاء الاصطناعي يضع البنوك المركزية أمام معادلة جديدة

أصبح الذكاء الاصطناعي محركاً لاستثمارات بمئات المليارات من الدولارات، وباتت هذه الاستثمارات تؤثر في قراءة مؤشرات النمو والتضخم، في تحول قد ينعكس في النهاية على قرارات أسعار الفائدة.

ويحذر بنك التسويات الدولية (BIS) من أن موجة الإنفاق الحالية تجعل تفسير البيانات الاقتصادية أكثر تعقيداً، لأن آثارها لا تظهر دفعة واحدة، بل تمر بمرحلتين مختلفتين.

لماذا أصبحت قراءة الاقتصاد أكثر صعوبة؟

ويرى بنك التسويات الدولية أن الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي تنشط الاقتصاد بمجرد ضخها، إذ تزيد الإنفاق، وتحفز التجارة، وتدعم أسواق المال، ما قد يدفع مؤشرات النمو والتضخم إلى الارتفاع خلال المدى القصير.

لكن مكاسب الإنتاجية لا تتحقق بالوتيرة نفسها، إذ تحتاج الشركات إلى سنوات حتى تحول استثماراتها في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية إلى زيادة فعلية في الإنتاج وكفاءة التشغيل.

يضع ذلك البنوك المركزية أمام تحدٍ حقيقي؛ فإذا بدا الاقتصاد أكثر نشاطاً نتيجة هذه الاستثمارات، إذ يُنظر إلى هذا النشاط باعتباره ارتفاعاً في الطلب يستدعي رفع أسعار الفائدة للحد من التضخم، رغم أن جانباً منه يرتبط باستثمارات ستنعكس آثارها لاحقاً في صورة إنتاجية أعلى، وليس ضغوطاً تضخمية مستمرة.

الذكاء الاصطناعي في قلب الاقتصاد

تعكس وتيرة الإنفاق المتسارعة على الذكاء الاصطناعي حجم المخاوف التي يتحدث عنها البنك؛ وتشير تقديرات نشرتها "Financial Times" إلى أن إنفاق أمازون وألفابت وميتا ومايكروسوفت على النفقات الرأسمالية خلال 2026 يتجه إلى بلوغ نحو 725 مليار دولار، مقارنة بنحو 410 مليارات دولار في 2025، مع توجيه الجزء الأكبر إلى مراكز البيانات ورقائق الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها.

كما يحذر بنك التسويات الدولية من أن جزءاً من هذه الاستثمارات يعتمد على التمويل بالاقتراض، ما قد يزيد المخاطر إذا جاءت العوائد أقل من التوقعات، ويجعل تقييم أثر هذه الطفرة على الاقتصاد أكثر تعقيداً بالنسبة للبنوك المركزية.

ويتوقع البنك أيضاً أن تستفيد الاقتصادات من طفرة الذكاء الاصطناعي بدرجات متفاوتة، إذ تبدو الدول المنتجة لأشباه الموصلات أو المالكة للبنية التحتية الحاسوبية والخدمات المرتبطة بهذه التقنية أكثر قدرة على تحقيق معدلات نمو أسرع، بينما قد تتأخر اقتصادات أخرى، بما يخلق مسارات مختلفة للنمو والتضخم ويزيد صعوبة تنسيق السياسات النقدية بين الدول.

خبراء: الذكاء الاصطناعي يدعم القرار ولا يستبدل الحكم البشري

بدوره، يرى الدكتور سمير رؤوف، الباحث في الشأن الاقتصادي لـ"24"، أن الذكاء الاصطناعي أسهم في تطوير أساليب جمع البيانات الاقتصادية وتحليلها، لكنه لا يستطيع تفسير السياق الذي تتحرك فيه هذه البيانات، لذلك يظل أداة داعمة للمحلل الاقتصادي وليس بديلاً عنه.

ويضيف أن ضخ استثمارات بمليارات الدولارات لا يعني بالضرورة تحقيق زيادة مماثلة في الإنتاجية، لأن التقنية تعزز كفاءة العمليات، وتساعد في إدارة البيانات ودعم اتخاذ القرار، لكنها لا تحل محل النشاط الإنتاجي نفسه، ما يستوجب التروي عند قراءة المؤشرات الاقتصادية وربطها بأداء الاقتصاد الحقيقي.

الخبيران الاقتصاديان: سمير رؤوف - حنان رمسيس

من جانبها، ترى خبيرة الاقتصاد حنان رمسيس أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مهمة لتحليل الأسواق والتنبؤ بالاتجاهات الاقتصادية، ويساعد الشركات على تحسين الكفاءة ورفع الإنتاجية، إلا أنه لا يستطيع الإحاطة بجميع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي يعتمد عليها صانع القرار.

وتضيف أن مواجهة التضخم لا تعتمد على رفع أسعار الفائدة فقط، بل تشمل أيضاً إدارة السيولة والاحتياطي الإلزامي والسياسات المالية، وهي أدوات تحتاج إلى تقدير بشري يراعي ظروف الاقتصاد ككل، ولا يقتصر على قراءة البيانات وحدها.