جانب من احتياطي الذهب في لبنان (رويترز)
جانب من احتياطي الذهب في لبنان (رويترز)
الجمعة 31 يوليو 2026 / 00:02

عودة الجدل إلى لبنان بعد اقتراحات بتسييل احتياطات الذهب

عاد الجدل مجدداً إلى الأوساط اللبنانية، بعد فتح أكثر القضايا الاقتصادية حساسية وتعقيداً منذ تعمّق الأزمة المالية عام 2019، وهي قضية تسييل جزء من احتياطي الذهب لحل أزمة الفجوة المالية وتعويض المودعين، في الوقت التي تسلك فيه دولة مثل الصين مساراً معاكساً تماماً، عبر تكديس المعدن الأصفر في مواجهة تقلبات النظام المالي العالمي.

واحتدم السجال عقب صدور مقترحات عن مشرّعين لبنانيين أخيراً للاستفادة من الطفرة التاريخية في أسعار الذهب عالمياً، لحل أزمة المودعين وإعادة الثقة في الاقتصاد اللبناني، بعد سبع سنوات على فشل النظام المصرفي في ضمان سحب الودائع وسط غضب آلاف العملاء.  في المقابل يرفض سياسيون المساس ب"الاحتياطي الاستراتيجي" في لبنان.

والطرح الذي يتردد  لا يوصي ببيع شامل للاحتياطي من الذهب، بل عن تسييل جزء منه أو تأجيره لتأمين تمويل يسهم في تقليص الفجوة المالية. 

وتذهب مقترحات إلى تحديد أرقام تقارب 10 إلى 15 مليار دولار يمكن تحويلها إلى أدوات مالية تُمنح لجزء من المودعين، وتحديداً للذين لديهم ودائع تفوق الـ 100 ألف دولار، في إطار قانون الفجوة المالية المنتظر إقراره، أو عند عرضه على مجلس النواب، بعدما أقرته الحكومة قبل أسابيع.

ويحافظ لبنان على حجم احتياطي من الذهب الخاص به ثابتاً دون أي مساس منذ التسعينيات، إذ يبلغ نحو 286.8 طن (ما يعادل قرابة 9.22 مليون أونصة)، وهي الكمية التي تضع لبنان في المرتبة الثانية عربياً بعد السعودية والـ20 عالمياً.

لماذا الجدل؟ 

وعلى مدار 4 عقود، يحكم احتياطي الذهب في لبنان قانون يعود إلى عام 1986، وهو يحظر بيع الذهب أو رهنه أو استخدامه كضمان إلا بقانون خاص يصدر عن مجلس النواب، بهدف حمايته. وبذلك، أي خطوة في اتجاه استثماره تتطلب قراراً سياسياً واضحاً.

ويرى مؤيدو تسييل الذهب أن ارتفاع الميزانية بفضل صعود الذهب يتيح فرصة نادرة لإعادة الثقة وسداد أموال المودعين المحتجزة دون الانتظار لعقود قادمة، مع إمكانية الرهن دون البيع المباشر لضمان عوائد مستدامة.

فيما يرى رافضو هذا المبدأ من جمعيات المودعين وخبراء اقتصاد أن تسييل الذهب يعفي أصحاب المصارف والمساهمين من مسؤولية إعادة هيكلة بنوكهم، أو إعادة الأرباح التي تحققَت قبل عام 2019. ويرون أن الذهب هو الضمانة السيادية الأخيرة للأجيال القادمة، ولا يجوز التفريط فيه.

الأزمة في أرقام 

تُقدر الخسائر المتراكمة في القطاع المالي والمصرفي بـين 70 و 72 مليار دولار، وهي الفجوة الناتجة عن تعثر الدولة وسوء إدارة السياسة المالية والنقدية. 

فيما تقدر إجمالي الودائع المحتجزة في البنوك بنحو 87 مليار دولار. وهي تتعرض  لـ"اقتطاع غير رسمي جراء قيود السحب القاسية وتدهور سعر صرف الليرة". 

في المقابل، قفزت قيمة الاحتياطي من الذهب لدى مصرف لبنان من 14 مليار دولار عند بداية الأزمة في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 إلى ما يقارب 37 - 45 مليار دولار، بفضل الصعود القياسي لأسعار الذهب في الأسواق العالمية.

وتضع هذه المقارنة القرار المالي في لبنان أمام خيارين؛ إما المساس بـ"الملاذ الأخير" المتمثل في الذهب لفك ودائع المواطنين وتنشيط الدورة الاقتصادية، أو الصمود بالحفاظ على احتياطي الذهب مع البحث عن حلول هيكلية تعتمد على محاسبة المتسببين، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي بشكل عادل ومستدام. 

مفارقة الصين

وبينما يناقش لبنان استغلال الذهب للتغطية على أزمة مالية محلية، تُظهر تجربة البنك المركزي الصيني نهجاً معاكساً تماماً في إدارة الأصول السيادية، حيث تواصل الصين رفع احتياطاتها الرسمية من الذهب لتتجاوز 2,260 طناً، ضامنة مكانتها ضمن أكبر حائزي الذهب عالمياً. 

وتنظر بكين إلى الذهب كأداة استراتيجية لتقليل الاعتماد على الأصول المباشرة المقومة بالدولار (مثل سندات الخزانة الأمريكية)، وتأمين احتياطاتها ضد العقوبات الجيوسياسية والتقلبات النقدية.

ويُشكل الذهب بالنسبة للصين صمام أمان لتدعيم القوة الدولية لعملتها اليوان، وبناء منظومة مالية أكثر استقلالاً.