الحنين يتحول لاقتصاد عالمي (الصورة مولدة بـai)
الحنين يتحول لاقتصاد عالمي (الصورة مولدة بـai)
الأربعاء 5 أغسطس 2026 / 14:56

من الذكريات إلى المليارات.. كيف تحوّل الحنين إلى اقتصاد عالمي مزدهر؟

مع عودة أجهزة الألعاب الكلاسيكية، وتصميمات التسعينيات، وعروض الهولوغرام لنجوم الماضي، يبرز ما يُعرف بـ"اقتصاد النوستالجيا، حيث تستثمر الشركات في قوة الذكريات والمشاعر القديمة لجذب المستهلكين وتحفيز قرارات الشراء.

يؤكد الدكتور جمال فرويز، في تصريحات لـ"24"، أن التعرض المتكرر لمحتوى الحنين على منصات التواصل يعزز هذا الشعور، لأن التكرار ينشط الذكريات. ويرى أن المحتوى المتوازن قد يمنح الإنسان راحة نفسية، لكنه يحذر من أن المقارنة المستمرة بين الماضي والحاضر قد تتحول إلى مصدر للإحباط وعدم الرضا.

تقول الدكتورة ميادة لطفي حماد لـ"24"، إن رواج المنتجات الكلاسيكية يعكس بحث المستهلك عن الأصالة في عالم رقمي، فيما تمثل العودة إلى الفينيل وأشرطة الكاسيت والكاميرات القديمة رفضاً لثقافة الاستهلاك السريع وسعياً إلى التميز.

وتعزز خوارزميات منصات التواصل هذه الظاهرة عبر تفضيل المحتوى العاطفي القادر على تحقيق تفاعل ومشاركة أكبر، ما يحول الذكريات إلى تجارب ومنتجات مدفوعة.

وتعكس أرقام التفاعل على تيك توك حجم هذا الاتجاه؛ إذ تجاوز المحتوى المرتبط بـ"النوستالجيا" مئات المليارات من المشاهدات، بينما حصدت المقاطع التي تستعيد أجواء التسعينيات نحو 70 مليار مشاهدة، وتجاوزت المشاهدات المرتبطة ببدايات الألفية 42 ملياراً، فيما حصدت فيديوهات المحتوى القديم مليارات المشاهدات على يوتيوب.

ولم يتوقف الأمر عند الشاشات، بل امتد إلى الترفيه الحي؛ إذ حققت عروض ABBA Voyage المعتمدة على الهولوغرام نجاحاً تجارياً مع تذاكر يتجاوز سعر بعضها 50 دولاراً، فيما أظهرت دراسات أن الحنين كان الدافع الأول للحضور، متقدماً على عامل التقنية. 

وسلكت المنطقة العربية الاتجاه نفسه عبر عروض هولوغرام لفنانين راحلين مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، التي استقطبت جمهوراً واسعاً في عدد من المهرجانات والفعاليات.

العلامات التجارية تعيد تقديم الماضي

وتكشف حملات عالمية كيف يتحول الحنين إلى أداة تسويق فعالة؛ حيث أعادت كيلوغز الألعاب إلى عبوات حبوب الإفطار لأول مرة منذ أكثر من عشر سنوات، في محاولة لاستعادة تجربة ارتبطت بطفولة أجيال كاملة.

فيما ربطت Dove إحدى حملاتها الإعلانية بأغنية شهيرة من بدايات الألفية لاستحضار ذاكرة جيل نشأ عليها، فيما أعادت Old Navy تقديم أزياء مستوحاة من تلك الفترة. 

وتشير تقديرات نقلتها صحيفة "Parkiet" عن محللين في بنك غولدمان ساكس إلى أن سوق النوستالجيا العالمي تبلغ قيمته نحو 325 مليار دولار، وقد يرتفع إلى 500 مليار دولار بحلول عام 2030، مع توسع الطلب على المنتجات المعاد إصدارها والتجارب المستوحاة من الماضي.

جيل Z يشتري الماضي

ويمتد الرهان على النوستالجيا إلى قطاع الترفيه، حيث تواصل شركات الإنتاج تقديم نسخ جديدة من الأفلام الكلاسيكية وأجزاء إضافية للأعمال الناجحة، فيما تعيد شركات ألعاب الفيديو إطلاق عناوين قديمة بعد تحديثها لتناسب الأجهزة الحديثة، مستفيدة من جمهور يعرفها وآخر يكتشفها للمرة الأولى.

والمفارقة أن الإقبال لا يقتصر على من عاشوا تلك الفترات؛ إذ تشير بيانات حديثة إلى أن نحو ثلثي أبناء الجيل Z يشعرون بارتباط عاطفي بحقبة لم يعيشوها، بينما أظهرت دراسات تسويقية أن 68% منهم يتفاعلون إيجابياً مع الحملات التي تستحضر عقوداً سبقت ولادتهم، ما يدفع الشركات إلى تسويق الماضي كتجربة جديدة تجذب أجيالاً مختلفة.

خبراء لـ"24": الحنين يبيع الإحساس قبل المنتج

لكن يبقى السؤال: لماذا يدفع الحنين ملايين الأشخاص إلى مشاهدة هذا المحتوى، أو شراء منتجات قد لا يحتاجون إليها؟ 

ويرى خبراء أن الإجابة تتجاوز التسويق، وترتبط بالطريقة التي يستجيب بها الدماغ للمشاعر والذكريات؛ إذ يوضح الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، في تصريحات لـ"24"، أن الحنين إلى الماضي استجابة نفسية وعصبية تستدعي مشاعر الأمان والدفء الأسري وقلة المسؤوليات، وهو ما ينشط مراكز المكافأة في الدماغ ويمنح الإنسان شعوراً بالراحة. 

ويضيف أن القرار الشرائي لا يكون عقلانياً دائماً، إذ قد يشتري المستهلك الإحساس المرتبط بالمنتج أكثر من المنتج نفسه، وهو ما يفسر اعتماد حملات تسويقية كثيرة على استحضار ذكريات الطفولة. 

كما يرى أن الضغوط وعدم اليقين يدفعان كثيرين إلى البحث عن الماضي باعتباره مساحة أكثر استقراراً، محذراً من أن الإفراط في المقارنة بين الماضي والحاضر قد يتحول إلى مصدر للإحباط.

الدكتور جمال فرويز - الدكتورة ميادة لطفي حماد

ومن منظور اجتماعي، تقول الدكتورة ميادة لطفي حماد، مدرس علم الاجتماع بجامعة المنصورة، لـ"24"، إن النوستالجيا تحولت إلى ظاهرة اجتماعية واستثمارية مع تسارع التغيرات التكنولوجية والضغوط النفسية. 

وتشير حماد إلى أن الأجيال الشابة باتت تعيش ما يعرف بـ"الحنين المستعار"، وهو الشوق إلى زمن لم تعشه، بحثاً عن الأمان والانتماء، بينما أسهمت المنصات الرقمية وخوارزميات التفاعل في مضاعفة انتشار هذا المحتوى، ودفع العلامات التجارية إلى توظيف الذكريات في إعادة إطلاق المنتجات والتصميمات القديمة وتحويل العاطفة إلى قرار شراء.