الحرارة تهدد الزراعة (الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
الإثنين 17 أغسطس 2026 / 14:26
تدخل الحرارة المرتفعة إلى حسابات الغذاء من الحقل مباشرة؛ فحين تضرب المحصول في مرحلة حساسة، تتراجع فرص التلقيح، ثم يظهر الأثر في صورة ثمار أصغر وإنتاج أقل وجودة متراجعة.
ومع استمرار موجات الحر، يحتاج النبات إلى مياه وطاقة أكبر، بينما يواجه المزارع خسارة في المحصول وارتفاعاً في كلفة إنتاجه، لتنتقل الضغوط لاحقاً إلى السوق والمستهلك.
وتكشف بيانات دولية حجم الأزمة؛ إذ يقدر تقرير مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة "فاو" والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن إنتاجية الذرة تنخفض 7.5% والقمح 6% وفول الصويا 6.8% مع كل ارتفاع قدره درجة مئوية واحدة، فيما قد تخسر الذرة والقمح ما يصل إلى 10% إضافية من إنتاجيتهما مع كل درجة لاحقة.
تهديد إنتاج الغذاء عالمياً
وتتوزع نماذج الخسارة على أسواق زراعية مختلفة؛ ففي ألمانيا، ضربت موجات الحر والجفاف المحاصيل خلال مراحل حرجة، ما يهدد بحصاد دون المتوسط للقمح وبذور اللفت، وخسائر في البطاطس والخضروات وبنجر السكر والذرة وفول الصويا، بينما أدى نقص الأعلاف في الجنوب إلى ذبح الماشية مبكرا.
بينما ينعكس الجفاف والحر في أنحاء أخرى من القارة الأوروبية على حرائق الغابات وتراجع مناسيب أنهار رئيسية، بينها الراين والدانوب، بما يزيد الضغوط على النقل وسلاسل الإمداد.

من جهة أخرى، يضيف "إل نينيو" ضغطاً مناخياً جديداً؛ إذ يعيد ارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي تشكيل أنماط الحرارة والأمطار، فيزيد مخاطر الحر والجفاف في بعض المناطق والأمطار الغزيرة في أخرى.
وفي المنطقة العربية، لا يبقى هذا الضغط في إطار التوقعات المناخية؛ فقد رصدت الفاو بالفعل أثر الحرارة في الإنتاج الزراعي بمصر، إذ انخفض إنتاج الذرة في 2025 إلى نحو 7.2 مليون طن، متأثراً بارتفاع درجات الحرارة خلال يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، فيما ساعدت أنظمة الري الحديثة على الحد من جزء من الخسائر.
الحرارة تضرب المحصول
وتفسر هذه الظواهر ما يحدث بالفعل داخل الحقول؛ فالحرارة لا تنتظر موسم الحصاد حتى تظهر خسائرها، وإنما تضرب المحصول في مراحل محددة يكون فيها أكثر عرضة للتأثر.
وفي هذا الصدد، توضح هويدا عبد الرؤوف، المهندسة بوزارة الزراعة المصرية، في تصريحات خاصة لـ"24"، أن الحرارة المرتفعة تزيد فقد النبات للمياه والإجهاد الحراري، وتكون أشد تأثيرا خلال التزهير والتلقيح وبداية تكوّن الثمار، إذ تضعف حيوية حبوب اللقاح وتتساقط الأزهار، ثم يتراجع حجم الثمار وجودتها.

وترى عبد الرؤوف أن التكيف يبدأ باختيار أصناف تتحمل الحرارة والجفاف، وتعديل مواعيد الزراعة، وتحسين كفاءة الري والحفاظ على رطوبة التربة، مع استخدام شبكات التظليل وتطوير أصناف أقل احتياجا للمياه.

المزارع يدفع التكلفة من جهتين
بدوره، يؤكد وليد محمد أحد أصحاب الأراضي بدلتا مصر في تصريحات لـ"24"، أن الحرارة أصبحت أكثر تأثيراً خلال التزهير وتكوين الثمار، مع ظهور ثمار أصغر أو أقل جودة في بعض المواسم وانخفاض الإنتاج عندما تستمر الموجات عدة أيام.
وفي المقابل، ترتفع احتياجات الري وتكاليف المياه والطاقة، ويحتاج النبات المجهد إلى متابعة وعناية أكبر؛ ما يجعل المزارعين يحجمون عن زراعة بعض الأنواع التي تتأثر أسرع بالحرارة.

انتقال الخسارة إلى السوق
ولا تتوقف خسائر الحرارة عند المحصول، إذ يحذر الدكتور سمير رؤوف، الخبير الاقتصادي في تصريحات لـ"24"، من أن تراجع الإنتاج وزيادة احتياجات الري يرفعان كلفة الزراعة ويدفعان إلى مزيد من الاستيراد، بما يضغط على العملة والنقل، فيما تنتقل الزيادة إلى المستهلك الذي قد يلجأ إلى بدائل أرخص، ويضيق معها هامش الأمان الغذائي.
ويطرح الخبير الاقتصادي الزراعة المائية والصوب كحلول لتقليل هدر المياه وتحسين التحكم في الإنتاج، رغم ارتفاع كلفة التبريد والتهوية والتجهيز.

وبين اختيار الصنف وتغيير موعد الزراعة وتحسين إدارة المياه واستخدام الزراعة المحمية، تتشكل أدوات التكيف؛ لكن نجاحها يتوقف على التحرك قبل وصول موجة الحر إلى مراحل الإنتاج الحساسة؛ لأن حماية المحصول أصبحت جزءاً من حماية القدرة على إنتاج الغذاء نفسه.