موسم حصاد القمح في مصر (أ ف ب)
الجمعة 28 أغسطس 2026 / 09:48
تقف مصر أمام اختبار جديد في سوق القمح العالمية، بعد تحول الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا على الموانئ والسفن في البحر الأسود من مصدر للقلق إلى تعطيل فعلي لمسارات تصدير رئيسة، في وقت يأتي أكثر من 82% من مستورداتها من القمح من هذين البلدين الملتحمين بحرب شرسة منذ 2022.
97% من طاقة تصدير الحبوب الروسية والأوكرانية بالمنطقة تتوقف.. والشحن إلى مصر يصل إلى 70 دولاراً للطن
4.719 ملايين طن مشتريات محلية ومخزون يكفي 9 أشهر في مواجهة اضطراب طرق الإمداد
نادر نور الدين لـ"24": بدائل قمح البحر الأسود أعلى سعراً وأبعد مسافة.. واضطرابات البحر الأسود رفعت كلفة الشحن والتأمين
أستاذ الموارد المائية والأراضي بجامعة القاهرة: مصر تملك بدائل للقمح الروسي والأوكراني.. لكنها أعلى كلفة
وتنذر الهجمات المتبادلة لسلاسل الإمداد في البحر الأسود بعرقلة تدفق القمح إلى كبرى الدول المستوردة لهذه المادة الحيوية والأعلى استهلاكا للخبز. وتشير تقديرات منظمة الأغذية العالمية (الفاو) إلى أن أكبر بلد عربي منذ حيث عدد السكان القريب من 120 مليون نسمة، يظل الأعلى استيرادا للقمح رغم تسجيل طفرة في الانتاج المحلي.
وأدى تغيير قواعد الاشتباك في البحر الأسود إلى تأخير أو إلغاء عشرات الشحنات خلال موسم التصدير، فيما رفعت العقود الآجلة في شيكاغو سعر القمح 17% منذ مطلع يوليو (تموز).
طريق شبه مغلق
وصل الاضطراب إلى ذروته بعدما أظهرت حسابات وكالة "رويترز" أن الهجمات أوقفت أكثر من 97% من طاقة تصدير الحبوب الروسية والأوكرانية عبر البحر الأسود وبحر آزوف مقارنة بالموسم الماضي، بعدما كان البلدان يصدران من موانئ المنطقة في المتوسط نحو 7.2 ملايين طن من الحبوب شهرياً.
وتفيد الوكالة بأن صادرات الموانئ الأوكرانية الرئيسة على البحر الأسود توقفت، بينما لم يبق في الجانب الروسي سوى قدرة محدودة للغاية في بعض الموانئ، في وقت تعرضت فيه منشآت تصدير وسفن تجارية لهجمات خلال الأسابيع الماضية.
وامتد أثر الأزمة إلى تعرفة نقل القمح، فبحسب مؤسسة "ستاندرد آند بورز غلوبال"، طلب ملاك سفن نحو 70 دولاراً لنقل الطن من موانئ روسيا العميقة على البحر الأسود إلى مصر، مع إحجام سفن عن دخول الموانئ، مقابل نحو 48 دولاراً للطن من موانئ البلطيق الروسية إلى مصر.

ويقول الدكتور نادر نور الدين محمد، أستاذ الموارد المائية والأراضي بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، لـ"24"، إن شركات الشحن بدأت بالفعل في زيادة أسعار المخاطر ورسوم التأمين مع تصاعد الهجمات، مشيراً إلى أن قرب موانئ البحر الأسود كان يمنحها ميزة مهمة بالنسبة للمستوردين العرب.
ويضيف نور الدين أن الرحلة من موانئ تلك المنطقة إلى الدول العربية تستغرق، بحسب تقديره، أقل من 10 أيام في بعض الحالات، مقابل نحو 24 يوماً من أمريكا وكندا ونحو 28 يوماً من الأرجنتين، إلى جانب ما يتمتع به القمح الروسي والأوكراني من أسعار تنافسية مقارنة بعدد من المناشئ الأخرى.
بدائل بسعر أعلى
لا يعني تعطل جزء كبير من تجارة البحر الأسود غياب القمح عن السوق العالمية، إذ تنقل "رويترز" اتجاه مستوردين إلى أستراليا والأرجنتين وأمريكا الشمالية، لكن الأسعار المعروضة من تلك المناشئ كانت أعلى من قمح البحر الأسود.
وبحسب الوكالة، وصلت عروض القمح الأسترالي الممتاز إلى نحو 315-320 دولاراً للطن، و 305 دولارات للأمريكي، مقارنة بنحو 260 إلى 280 دولاراً للطن للقمح القادم من البحر الأسود قبل احتساب التطورات الجديدة في تكاليف النقل.
وواصلت الأسعار الأسترالية الصعود مع انتقال الطلب إلى أسواق بديلة، إذ تقول "ستاندرد آند بورز غلوبال" إن سعر القمح الأسترالي القياسي بلغ 291 دولاراً للطن تسليم ظهر السفينة في 24 أغسطس (آب)، مرتفعاً 25 دولاراً منذ اشتداد الهجمات في أوائل يوليو (تموز)، ومسجلاً أعلى مستوى لهذا الصنف منذ 2023.
ويرى نور الدين أن مصر تستطيع اللجوء، إلى جانب المناشئ الكبرى، إلى دول مثل رومانيا والمجر وفرنسا وكازاخستان ودول أخرى في منطقة البلقان، لكنه يشرح بأن زيادة المسافات واختلاف الأسعار والمواصفات تجعل كلفة بعض البدائل أعلى من المصادر التقليدية في البحر الأسود.
وبالفعل، بدأت القاهرة قبل الأزمة الحالية توسيع دائرة الموردين، إذ ناقشت وزارة التموين في يونيو (حزيران) زيادة واردات القمح من بولندا، ضمن تحركات قالت الوزارة إنها تستهدف تنويع مصادر السلع الاستراتيجية وتعزيز الأمن الغذائي.

رقم قياسي من الحقول المصرية
وفي الوقت الذي يشهد البحر الأسود اضطرابا، شهد الداخل المصري ارتفاعا كبيراً في مشتريات الدولة من القمح المحلي، إذ تظهر بيانات حكومية نُشرت في 15 أغسطس (آب)، وصول الكميات المستلمة إلى نحو 4.719 ملايين طن، مقابل 3.938 ملايين طن في موسم 2025، بزيادة تقارب 781 ألف طن.
وكانت الحكومة قد استهدفت شراء 5 ملايين طن خلال الموسم، وحددت سعر التوريد عند ما يصل إلى 2500 جنيه للإردب، فيما قالت "رويترز" في يونيو (حزيران) إن مشتريات الدولة كانت قد سجلت بالفعل مستوى قياسياً، مع ارتفاع المساحة المزروعة بالقمح إلى نحو 3.7 ملايين فدان مقابل 3.1 ملايين في الموسم السابق.

وتتوقع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" وصول إنتاج مصر من القمح في 2026 إلى نحو 10 ملايين طن، بزيادة تقارب 7% عن المتوسط، مدعوماً بزيادة المساحات المزروعة. لكنها تتوقع في الوقت ذاته أن تبلغ احتياجات استيراد القمح خلال موسم 2026-2027 نحو 13.5 مليون طن، مع استمرار الاعتماد بدرجة كبيرة على منطقة البحر الأسود بسبب أسعارها التنافسية.
وإلى جانب زيادة الإنتاج والمشتريات المحلية، أعلن وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق في يونيو (حزيران) أن احتياطي مصر الاستراتيجي من القمح أصبح يغطي نحو 9 أشهر، وهو مستوى وصفه بأنه غير مسبوق.