أحد شوارع العاصمة الإيرانية طهران (أ ف ب)
الخميس 3 سبتمبر 2026 / 12:28
شهدت الساحة الدولية تحولاً حاداً مع إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدشين ما أسمته "يوم الحسم الاقتصادي"، وهي حملة ضغوط مالية وحظر بحري واسع النطاق، تهدف إلى إرغام إيران على فتح مضيق هرمز، والعودة لخيار التفاوض.
لكن القراءة المتأنية لتاريخ العقوبات الغربية تكشف أن هذه الإستراتيجية تصطدم بنتائج عكسية غير متوقعة، فالأنظمة السياسية، والتي تعتبرها واشنطن استبدادية، تطور عبر الزمن أساليب معقدة، تسمح لها بتجاوز الأزمات والخروج منها بآليات بقاء مبتكرة، بحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال".
آليات التكيف مع الضغط الخارجي
وتُظهر تجارب الدول الخاضعة للعقوبات الأمريكية أن الحصار المالي لا يؤدي بالضرورة إلى إسقاط الأنظمة، بل يدفع أنشطتها الاستثمارية نحو الاقتصاد الخفي والأسواق السوداء.
وتعتمد بعض الدول مثل كوبا على تحويلات مواطنيها في الخارج لتأمين الغذاء والدواء، واتخذت كوريا الشمالية أساليب أكثر جرأة، من خلال اختراق العملات المشفرة لتمويل خزائنها.
أما إيران، التي تشهد اقتصاداً يئن تحت تضخم تجاوز 80%، فلديها عقود من الخبرة المكتسبة في التخفي والالتفاف على العقوبات، إذ نجحت في بناء نظام مالي موازٍ بالكامل بالتعاون مع الصين خارج نطاق المنظومة المصرفية الدولية، إلى جانب توسيع نطاق تبادلها التجاري مع دول أخرى.
وهذا الوضع يفسر شكوك الخبراء، ومنهم الخبير الاقتصادي جواد صالحي أصفهاني، في قدرة هذه الضغوط الاقتصادية على إجبار النظام الإيراني على تقديم تنازلات سريعة.
وقال الخبير الاقتصادي في جامعة فيرجينيا: "إن قدرة الولايات المتحدة على إلحاق الأذى أمر مسلم به، لكن شعوري هو أن هذه الضغوط لن تسفر عن إجبار الحكومة الإيرانية على تقديم تنازلات".
ماذا فعلت الدول المحاصرة؟
وتستغل الأنظمة المستبدة الضغوط الخارجية لتعزيز قبضتها الداخلية، وتحشيد النخب حول الحاكم تحت شعار "مقاومة التدخل الخارجي". وعلى سبيل المثال في هافانا، تُحكم السلطات قبضتها الأمنية لمنع ظهور أي حراك مناهض، رافضةً تقديم أي تنازلات سياسية.
وفي كوريا الشمالية تحول الضغط الدولي إلى وسيلة يدعو من خلالها الزعيم كيم جونغ أون مواطنيه لـ "شد الأحزمة"، بينما يطور الشارع الكوري الشمالي أساليب ذاتية للتكيف مع انقطاع الكهرباء، والنقص المزمن في السلع الأساسية.
حتى على المستوى الإقليمي الأكبر، أثبتت روسيا بعد 4 أعوام من حربها في أوكرانيا قدرةً على إعادة توجيه تدفقاتها التجارية نحو الأسواق الآسيوية، ليحقق اقتصادها معدلات نمو إيجابية متجاوزة توقعات الانكماش الغربية، مما عزز من سيطرة القيادة الروسية، واستمرار عملياتها العسكرية دون تراجع.
وتشير الوقائع التاريخية إلى أن العقوبات الاقتصادية، وإن تسببت في إضعاف البنية التحتية وإنهاك الشعوب، نادراً ما كانت السبب الوحيد في تغيير الأنظمة، دون أن تقترن بجهود دبلوماسية مكثفة أو تدخلات مباشرة.
وفي فنزويلا، انكمش الاقتصاد بنسبة 75% وهجر ربع السكان البلاد بسبب سنوات الحصار، ومع ذلك ظل النظام متماسكاً حتى وقع التدخل العسكري المباشر، وتم اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو من قبل الجيش الأمريكي.
وتكمن المعضلة الكبرى في الأثر الممتد لهذه العقوبات، حتى بعد إنهاء الأزمات، أو رحيل الأنظمة، إذ يتبين أن رفع القيود الاقتصادية وإعادة بناء البيئة الاستثمارية وتسهيل عودة الكفاءات المهاجرة يتطلب سنوياً من الجهود الدبلوماسية أضعاف الوقت الذي استغرقته الضغوط.
ويؤكد التقرير أن تجارب التاريخ توضح أن إطلاق حملات مثل "الحسم الاقتصادي" ربما يفرض حصاراً خانقاً على طهران، لكن الرهان على استسلام سريع أو تغيير قريب في المواقف الإيرانية يواجه عقبات تاريخية، تجعل من نجاحه أمراً محفوفاً بالشكوك.