طوابير سيارات الإسعاف أمام الطوارئ في بريطانيا (إكس)
طوابير سيارات الإسعاف أمام الطوارئ في بريطانيا (إكس)
الجمعة 16 أكتوبر 2026 / 16:53

أزمة الرعاية الصحية في أوروبا.. اكتظاظ المستشفيات يستنزف الميزانيات

تواجه بريطانيا أزمة متفاقمة في أقسام الطوارئ بالمستشفيات، مع ارتفاع أعداد المرضى الذين ينتظرون لساعات طويلة للحصول على العلاج، وزيادة تكاليف تشغيل القطاع الصحي، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً مالية متزايدة مع ارتفاع الديون وتكاليف الاقتراض. 

ولا تقتصر الأزمة على بريطانيا، إذ تواجه دول أوروبية أخرى، بينها فرنسا وألمانيا والنرويج وإسبانيا والبرتغال، تحديات تتراوح بين نقص الكوادر وطول قوائم الانتظار وارتفاع تكاليف التشغيل، رغم السمعة العالمية لأنظمة الرعاية الصحية الأوروبية.

بريطانيا.. أزمة الطوارئ تضاعف الضغوط الاقتصادية

بحسب بيانات هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS England)، سجلت أقسام الطوارئ في إنجلترا أكثر من 2.44 مليون زيارة خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، فيما انتظر 50 ألفاً و582 مريضاً أكثر من 12 ساعة للحصول على سرير بعد اتخاذ قرار إدخالهم إلى المستشفى. ولم تتجاوز نسبة المرضى الذين جرى التعامل مع حالاتهم خلال 4 ساعات 74.4%، مقابل الهدف الرسمي البالغ 95%.

وكشف المكتب الوطني للتدقيق البريطاني عن ارتفاع تكلفة زيارة المريض الواحد لأقسام الطوارئ بنحو الثلث مقارنة بعام 2018-2019، رغم زيادة الإنفاق، ما يعكس اتساع الفجوة بين التمويل ومستوى الخدمات.

وتتزامن الأزمة مع استعداد الحكومة البريطانية لإعلان موازنتها في 28 أكتوبر (تشرين الأول)، وسط ارتفاع تكاليف الاقتراض وضغوط أسعار الطاقة. 

وبحسب وكالة "رويترز"، تراجع هامش المرونة المالية المتاح للحكومة من 24 مليار جنيه إسترليني في مارس (آذار) إلى ما بين 8.5 مليارات و16 مليار جنيه، ما يحد من قدرتها على زيادة تمويل الخدمات العامة دون ضرائب أو اقتراض إضافي.

كما بلغت تكلفة تأخر خروج المرضى من المستشفيات نحو 2.7 مليار جنيه إسترليني خلال السنة المالية 2025-2026، وفقاً لمؤسسة "King's Fund"، ما يعكس الأعباء الاقتصادية الناجمة عن استمرار إشغال الأسرّة رغم انتهاء الحاجة الطبية للإقامة.

مفارقة الطب الأوروبي

تكشف الأزمة عن مفارقة في أنظمة الرعاية الصحية الأوروبية، التي تتمتع بسمعة عالمية في جودة العلاج والتقدم الطبي، لكنها تواجه صعوبات متزايدة في توفير الخدمات بالسرعة المطلوبة، نتيجة شيخوخة السكان ونقص الكوادر وارتفاع تكاليف التشغيل.

ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ارتفعت نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر في الاتحاد الأوروبي من 16% عام 2000 إلى 21% عام 2023، فيما تجاوز 35% من الأطباء سن 55 عاماً خلال 2022، ما يعكس ارتفاع الطلب على الخدمات واقتراب أعداد كبيرة من العاملين من التقاعد.

 فرنسا وألمانيا.. ارتفاع تكاليف التشغيل

في فرنسا، تواجه المستشفيات نقصاً في الكوادر الطبية واعتماداً متزايداً على العاملين المؤقتين. وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ارتفعت تكلفة الاستعانة بالأطباء المؤقتين بنسبة 25% بين 2017 و2022، لتصل إلى 147.5 مليون يورو، فيما تبلغ أجور بعضهم ضعفين إلى ثلاثة أضعاف أجور العاملين الدائمين.

أما ألمانيا، فرغم امتلاكها 759 سريراً بالمستشفيات لكل 100 ألف نسمة 2024، مقابل متوسط أوروبي يبلغ 507 أسرّة، وفقاً لبيانات "يوروستات"، فإنها تواجه ارتفاعاً في تكاليف التشغيل ونقصاً في بعض الكوادر، إذ بلغت تكلفة العمالة المؤقتة نحو 2.9 مليار يورو عام 2022.

النرويج.. الانتظار رغم الثراء

وبالنسبة إلى النرويج، إحدى أغنى الدول الأوروبية، تواجه المستشفيات تحديات في طول فترات انتظار بعض العلاجات، رغم ارتفاع الإنفاق الصحي. 

وبحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2025، انتظر أكثر من 70% من المرضى ما يزيد على 3 أشهر لإجراء جراحة المياه البيضاء خلال 2024، مقابل 58% في بريطانيا، ما يعكس امتداد أزمة الانتظار إلى خدمات علاجية أخرى، وليس أقسام الطوارئ وحدها.

إسبانيا والبرتغال.. تفاوت الموارد الصحية

وفي إسبانيا والبرتغال، تتركز التحديات في نقص العاملين وتفاوت توزيع الموارد الصحية بين المناطق. ووفقاً لبيانات "يوروستات"، سجلت إسبانيا 283 سريراً بالمستشفيات لكل 100 ألف نسمة 2024، مقابل 759 سريراً في ألمانيا.

أما البرتغال، فتواجه ضغوطاً متكررة على خدمات الطوارئ، خصوصاً أقسام النساء والتوليد، إذ أدى نقص الأطباء المتخصصين إلى إغلاق بعض الخدمات مؤقتاً أو تحويل المرضى إلى مستشفيات أخرى، حسب "الهيئة البرتغالية لتنظيم الصحة".

نقص الكوادر يهدد أوروبا

قدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نقص الكوادر الصحية بنحو 1.2 مليون طبيب وممرض وقابلة عام 2022 على مستوى الاتحاد الأوروبي، فيما أبلغت 20 دولة عن نقص الأطباء خلال 2022 و2023.

وتتجاوز التداعيات الاقتصادية للأزمة ارتفاع الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية، إذ قد يؤدي طول قوائم الانتظار وتأخر حصول المرضى على العلاج إلى إطالة فترات الغياب عن العمل وتأخير عودتهم إلى وظائفهم، ما يزيد الضغوط على سوق العمل ويضعف الإنتاجية الاقتصادية.

ومع اقتراب الشتاء، تواجه الحكومات الأوروبية تحدياً مزدوجاً يتمثل في تحسين الخدمات وضبط الموازنات، في وقت تؤكد فيه المؤشرات أن الأزمة لا تعكس بالضرورة تراجع جودة الطب الأوروبي، بل صعوبة الحفاظ على سرعة الوصول إلى العلاج واستدامة تمويله.