رغم التاريخ الطويل من المشاكل والعداوة بين الجزائر وفرنسا، إلا أن البلدين وجدا طريقة للتفاهم والاحتفاظ بالأسرار الخطيرة فترات طويلة من الزمن. ورغم "الاصطدامات " السياسية الكثيرة بين العاصمتين خاصة زمن الرئيس هواري بومدين، إلا ان التعاون العسكري بين البلدين كان على درجة من الأهمية للجانبين، ما سمح لفرنسا بالاحتفاظ بمركز لتجربة الأسلحة الكيميائية الخطيرة في عمق الصحراء الجزائرية حتى 1978، بمعرفة الراحل بومدين ودعمه.

 فجرت مجلة "ماريان" الفرنسية قنبلة إعلامية جديدة في سماء العلاقات الفرنسية الجزائرية، إذ قالت المجلة إن زيارة فرانسوا هولاند للجزائر في أواخر2012  شهدت توقيع بروتوكولات واتفاقيات  شملت جميع الميادين، ولكن هولاند أشرف أيضاً على توقيع بروتوكول آخر سرّي ويتعلق   بالتزام  فرنسا بإزالة التلوث الكيميائي في المركز السري المسمى بـ 2-ناموس، الذي كان تحت إشراف وزارة الدفاع الفرنسية  في عمق الصحراء الكبرى حتى آخر السبعينات من القرن الماضي.

من جهتها تعرضت مجلة جون أفريك الفرنسية  لقضية المركز السري، فقالت إنه اختص بالتجارب الكيمياوية والجرثومية، لكن الحديث عنه يعود إلى 1997، ما تسبب في ثورة الرئيس الحالي بوتفليقة وغضبه الشديد من رئيسه السابق بومدين الذي فضّل عدم إخباره حتى موته بالموضوع، لكن  الملف قُبر يسرعة ولفه النسيان من جديد.

لكن المجلة المختصة بالشأن الافريقي، استغلت فرصة انفجار هذه القنبلة للكشف عن جانب من تاريخ العلاقات السرية بين فرنسا والجزائر،   وكشفت بالمناسبة  أكذوبة برعت الجزائر وفرنسا في نسجها.  وحسب المجلة فإن الجزائر لم تستعد سيادتها الفعلية والكاملة على كل أراضيها إلا بعد 1978، ذلك أن الموقع السري الممتد على مساحة ستة آلاف كيلومتر مربع – أكثر من نصف مساحة لبنان مثلا- والواقع في منطقة بني أونيف الحدودية مع المغرب الاقصى كان تحت الاشراف المباشر للقوات الفرنسية إلى غاية 1972 تاريخ إشراك جيش التحرير الشعبي في الاشراف عليه. 

اكتشافات مثيرة 
قالت المجلة إن كشف المركز السري للأسلحة الكيمياوية، هدم جداراً سميكاً من الأسرار التي تكشف عن طبيعة العلاقة بين فرنسا وجبهة التحرير الوطنية أثناء مفاوضات إيفيان الشهيرة التي أدت في الأخير إلى استقلال الجزائرفي 1962. ذلك أن وثيقة الاستقلال تضمنت بنوداً خاصة وأخرى أشد سرية وخطورة، وهي التي تخص احتفاظ فرنسا بـ 4 مراكز سرية هي ريغّان وعين إكّر، للتجارب النووية وكولومب بيشار- المعروف لاحقاً باسم ب2 ناموس بمنطقة وادي الناموس - للتجارب الكيمياوية والجرثومية ومركز آماغّير للاسلحة الباليستية والصواريخ الفضائية.  واعتمادا على الملحق السري لمفاوضات ايفيان يحق لفرنسا الاحتفاظ بهذه المراكز 5 سنوات بعد الاستقلال، وهو ما حصل فعلا. بعد 5 سنوات أغلقت المراكز جميعا باستثناء ب2 ناموس الذي استمر في العمل بعد طلب ديغول شخصياً من بومدين تمديد الاتفاق الاولي. وافق الرئيس بومدين بشروط أهمها أن يبقى الأمر سرياً وأن يكون مسألة عسكرية بعيداً عن الديبلوماسيين وفي مقدمتهم الرئيس الحالي بوتفليقة الذي كان وزير خارجية بومدين.

وقالت المجلة إن الاتفاق مُدّد 1967 من قبل سفير فرنسا ورجل بومدين القوي في الجيش يومها العقيد عبد القادر شبو. وقام بومدين بتمديد العمل بالاتفاق مرة أخرى مع تعديلات  في 1972، قضت بإشراك الجيش الجزائري في الاشراف على المركز،   قبلت فرنسا بحضور 6 ضباط جزائريين كبار بشكل دائم.  وتزامن توقيع الاتفاقية الجديدة بين البلدين مع قرار بومدين تاميم النفط ومصادرة أملاك شركات النفط الفرنسية، وخاصة مع الخطب النارية التي أطلقها بومدين ضد فرنسا وسياستها الاستعمارية الجديدة.

ومع ذلك واصل المركز السري عمله حتى 1978 تاريخ تخلي فرنسا عنه رسمياً بعد انتفاء الحاجة اليه على ما قالت المجلة.