بصوت: د. علي بن تميم

هذه واحدة من روائع أمير الشعراء أحمد شوقي، كتبها قبل مائة عام، تحديداً في العام 1914، واصفاً باريس، ومتغزلاً في جمال وتاريخ وحضارة العاصمة الفرنسية كعاشق متبتل، مدافعاً عنها بقوة وغضب وإبداع ومحبة.

جَهدُ الصَبابَةِ ما أُكابِدُ فيكِ لَو كانَ ما قَد ذُقتُهُ يَكفيكِ

وَلَقَد أَقولُ وَأَدمُعي مُنهَلَّةٌ باريسُ لَم يَعرِفكِ مَن يَغزوكِ

ما خِلتُ جَنّاتِ النَعيمِ وَلا الدُمى تُرمى بِمَشهودِ النَهارِ سَفوكِ

زَعَموكِ دارَ خَلاعَةٍ وَمَجانَةٍ وَدَعارَةٍ يا إِفكِ ما زَعَموكِ

إِن كُنتِ لِلشَهَواتِ رَيّاً فَالعُلا شَهَواتُهُنَّ مُرَوَّياتٌ فيكِ

تَلِدينَ أَعلامَ البَيانِ كَأَنَّهُم أَصحابُ تيجانٍ مُلوكُ أَريكِ

فاضَت عَلى الأَجيالِ حِكمَةُ شِعرِهِم وَتَفَجَّرَت كَالكَوثَرِ المَعروكِ

وَالعِلمُ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها ما حَجَّ طالِبُهُ سِوى ناديكِ

العَصرُ أَنتِ جَمالُهُ وَجَلالُهُ وَالرُكنُ مِن بُنيانِهِ المَسموكِ

أَخَذَت لِواءَ الحَقِّ عَنكِ شُعوبُهُ وَمَشَت حَضارَتُهُ بِنورِ بَنيكِ

وَخِزانَةُ التاريخِ ساعَةَ عَرضِها لِلفَخرِ خَيرُ كُنوزِها ماضيكِ

وَمِنَ العَجائِبِ أَنَّ واديكِ الشرى وَمَراتِعَ الغُزلانِ في واديكِ

يا مَكتَبي قَبلَ الشَبابِ وَمَلعَبي وَمَقيلَ أَيّامِ الشَبابِ النوكِ

وَمَراحَ لَذّاتي وَمَغداها عَلى أُفُقٍ كَجَنّاتِ النَعيمِ ضَحوكِ

وَسَماءَ وَحيِ الشِعرِ مِن مُتَدَفِّقٍ سَلِسٍ عَلى نَولِ السَماءِ مَحوكِ

لَمّا اِحتَمَلتُ لَكَ الصَنيعَةَ لَم أَجِد غَيرَ القَوافي ما بِهِ أُجزيكِ

إِن لَم يَقوكِ بِكُلِّ نَفسٍ حُرَّةٍ فَاللَهُ جَلَّ جَلالُهُ واقيكِ