نشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 16 يناير (تشرين الثاني)، تحت عنوان "التراحم من الإيمان".

وتناولت الخطبة الأولى لصلاة الجمعة، الحديث عن أن الإسلام هو دين رحمة وتراحم، حث على الرأفة، وجعلها من أهم أخلاق المؤمن، وذكرت الخطبة بعقوبة من لا يرحم، وشددت على أن التراحم بين الخلق فطرة ربانية، واستعرضت مظاهر التراحم وأثره بين الناس، فيما أظهرت الخطبة الثانية، سمة التراحم الأصيلة في مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة، وحرص قيادة الدولة على غرس هذا الخلق العظيم في نفوس المجتمع، وإطلاقه عبر مبادرات إنسانية للعالم أجمع.

دين تكافل

أيها المسلمون: إن الإسلام دين تكافل وتلاحم، وتعاطف وتراحم، دعا إلى الرأفة والرحمة، وجعل التراحم من أخص صفات المؤمنين العاملين، قال الله تعالى:( ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة). أي: إن المؤمنين الصادقين الذين يرحمون اليتيم والمسكين والخلق أجمعين، سيكونون من أصحاب اليمين، الذين وصفهم الله تعالى بقوله:( أولئك أصحاب الميمنة). فالراحمون موعودون بنيل رحمة الله تعالى ورضوانه، وعفوه وغفرانه، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء". وقال صلى الله عليه وسلم:"ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر الله لكم".

وقد توعد الله تعالى الذين لا يرحمون الناس بحرمانهم من رحمته عز وجل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل"، وقال صلى الله عليه وسلم: " لا تنزع الرحمة إلا من شقى".

أيها المؤمنون: إن التراحم بين الخلق فطرة ربانية، تحمل صاحبها على الإحسان للآخرين، والتلطف معهم، والترفق بهم، والتألم لمصابهم، والسعي في رفع الضر عنهم، فالتراحم دليل على رقة القلب، وسمو النفس، وله ثمرات عظيمة في العاجل والآجل، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني. قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي». وقال صلى الله عليه وسلم :"من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر، أو يضع عنه"، فلنحرص على التراحم في أمورنا كلها.

مجالات التراحم
أيها المصلون: إن "مجالات التراحم واسعة كثيرة، فمنها: الرحمة بالوالدين، وذلك بطاعتهما بالمعروف، والبر بهما، والدعاء لهما، كما أوصانا الله تعالى في قرآنه بقوله:( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا).
ومن التراحم: الرحمة بالأبناء والصغار، وذلك بالشفقة عليهم، والإحسان إليهم، وحسن تربيتهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:« ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا». وإن صلة القرابة والأرحام باب من أبواب التراحم بين الأنام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله".

كما أن الرحمة بالأيتام تلين القلوب، وترضي علام الغيوب، فقد شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال له :"إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم"، ومن صور التراحم رحمة الغني بالفقير، والقوي بالضعيف، والمعافى بالمبتلى، ورب المنزل بأهله، وصاحب العمل بموظفيه، ورحمة العالم والمعلم بالمتعلمين، إلى صور كثيرة في حياتنا اليومية.

عباد الله: إن التراحم لا يقتصر على الرحمة بالمسلمين فحسب، بل يشمل الرحمة بغير المسلمين، وذلك بإغاثة ملهوفهم، وإعانة محتاجهم، والإحسان إلى ضعيفهم، وإظهار محاسن الإسلام لهم، وتعريفهم بمقاصده العظيمة، وغاياته النبيلة، بالكلمة الطيبة، والمعاملة الجميلة، وحسن الصلة معهم، فعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: قدمت على أمي وهى مشركة، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن أمى قدمت وهى راغبة ، أفأصل أمي؟ قال :« نعم صلي أمك».

فاللهم اجعلنا متراحمين، وارزقنا رقة القلوب، وجميل المقال، وحسن الأعمال، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

الخطبة الثانية

أما بعد: اتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أنه من فضل الله عز وجل علينا أن جعل التراحم سمة أصيلة في مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة : قيادة وشعبا، فهو مجتمع رحمة وإحسان، وقد ضرب أروع الأمثلة في البذل والعطاء، وطالت أياديه البيضاء مختلف بلدان العالم، ولا أدل على ذلك من التفاعل الكبير مع حملة "تراحموا" التي أطلقها صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله لإغاثة أهلنا في الشام بعد أن أصابهم الضر، وحل بهم البأس، فجزى الله خيرا من أمر بها، وقام عليها، وساهم وبذل لأجلها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:"مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى".