في طريقنا إلى أسوان كنا أنا وصديقي الأستاذ برما في قطار النوم.
نحن في الطريق إلى أسوان لكى أثبت لصديقي برما خطأ نظريته، فصديقي يؤمن أن الشمس تتعامد على وجه الملك رمسيس الثاني مرتين في السنة، مرة في عيد ميلاده و مرة في عيد الأضحى، أصطحبه إلى هناك لأثبت له ان هذا الكلام غير صحيح على الأقل لم يكن هناك إسلام أيام الفراعنة.
اتخذ هو من السرير العلوي وطناً له، أما أنا فقد كنت أبحث عن النوم بقوة في الفراش السفلى.
ثم قلت له: "برما، ممكن تحكى لي حكاية من عندك"، فقال لي: "أنا مش حافظ حكاية معينة" فقلت له: "أحكى لي أي حكاية تبدأ بمشهد من فيلم تحبه" ، فقال أوكيه ثم بدأ.
قال: سأحكي لك مشهداً من فيلم "أزرار البنات"، قلت له تقصد "أسرار البنات"، فقال برما: "ما هو حضرتك أزرار البنات محض أسرار أصلاً، أحب هذا الفيلم لأنه لم يعتمد على المشاهير، أنا أواجه مشكلة في فهم المشاهير عموماً، فهم يبذلون في البداية جهداً خرافيّاً لكي يعرفهم الناس، ويشيروا عليهم في الشارع، وما أن يصبحوا مشهورين حتى يرتدوا نظارات سوداء كبيرة تخفي وجوههم حتى لا يتعرف عليهم أحد".
توقف برما ثم سألني "لسه صاحي؟" فقلت: "أيوه". فواصل الحكي قائلاً: "بص يا سيدى، يقول الخواجة زيمكس: البنك هو مكان يقرضك مظلة عندما يكون الطقس معتدلاً، ويطلب منك استعادتها عندما تمطر".
قلت له: هذه معلومة غير مفيدة رغم كل ما فيها من بلاغة.
قال: "طيب .. خد دى، الأسد هو الكائن الوحيد الذى (يحلى) ثم (يحدق) فهو يتناول فريسته ثم يتجه إلى أكثر مصادر الماء ملوحة من حوله فيلعق طميه المملح ليقضى على الطعم السكرى الذى خلفه دم الفريسة فى فمه، الأسد هو الكائن الوحيد الذى يأكل بالطريقة نفسها التي وعدنا الله أن نأكل بها في الجنة راجع الآيات فستجد الفاكهة دوماً مقدمة على اللحوم".
قلت له: هذه معلومة طريفة، لكن فليسامحنا الله إذ أننا لم نلتفت لإشارته في الترتيب الذى يجب أن نتناول به طعامنا لأننا غالباً لدينا اختيار واحد (يا اللحمة يا الفاكهة).
قال برما: هذا القطار غريب فهو يتمايل كباخرة، ربما لأنه قطار النوم، الأمر الذى يجعل طريقة سيره متأثرة بناس سهارى مثلنا تتقلب في فراشها.
توقف برما فجأة ثم سألني "أنت نمت؟" فقلت له "لسه"، فقال: هذه الكابينة ينقصها جهاز تليفزيون، تعرف يا صديقي أن جهاز التليفزيون هو أكبر جهاز تثقيفي كما يقول الخواجة سيميوني؟، أنا مقتنع بهذه الفكرة، لأنني في كل مرة أشعر فيها بالملل وأقوم بالتقليب بين القنوات المختلفة أغلق الجهاز ثم أبحث عن كتاب لقتل الفراغ.
ثم سألني "أنت نمت؟" فقلت له محتدا .."لسه صاحي يا عم برما ..مالك ؟إيه مشكلتك؟" فقال: "(مشكلتي) مع اللحظات الدرامية المؤثرة في حياتي؛ هي عدم وجود موسيقى مناسبة في الخلفية، و(مشكلتي) مع أهلي أنهم أتعبوا أنفسهم ليعلمونني المشي والكلام، ظننت أنهم سيستريحوا بعدها لكنهم تعبوا أنفسهم أكثر ليعلموني أن (أقعد على حيلي وأخرس خالص)، شكلك قلقان منى يا عمر، عموماً آخر حاجة أفكر فيها هي أن أؤذيك (لكن هذا لا ينفي أن الفكرة موجودة)، و صدق الشاعر الفرنسي المجهول (وهو مجهول لأنه توفى قبل أن يكمل أوراق بطاقة الرقم القومي)، المهم يقول الشاعر المجهول: ليس هناك مكان ينام فيه الشخص بأمان مثل غرفة أبيه، ويقول ابن القيم: "لما طلب آدم الخلود في الجنة عن طريق الشجرة، عوقب بالخروج منها، ولما طلب يوسف الخروج من السجن عن طريق صاحب الرؤيا، لبث فيه بضع سنين" ، فليكن سؤالك عن طريق الله، و لا تكن مثل ابن صديقي الذى سألني "هيه الجنة تحت أقدام كل الأمهات يا عمو؟"، فقلت له "نعم تحت أقدامهن جميعاً"، فسألني – وكان صادقا – "حتى أمنا الغولة ؟".
قلت له: على الله تكون قد أجبته بصراحة.
قال برما: أحياناً أهرب من أكون صريحاً، أنا شخصياً لا أثق أبداً في شخص يبدأ كلامه معي بجملة (أصلى عيبي إني صريح) ، الشخص الذى يقول لك أنه مريض بالصراحة، هو مريض بالفعل و لكن بأشياء أخرى، فهو يخفى خلف الصراحة انفعالات سلبية كثيرة، هو إما كذاب بالفطرة، أو يتخذ هذه الجملة كمدخل للتدخل فيما لا يعنيه، أو شخص يشعر بالغيرة و يعرف أن غيرته مفضوحة فينعت نفسه بالصراحة كغلاف وردى ورقيق لانطباعه المليء بالنفسنة ليقنعك بأنه شخص موضوعي، أو هو شخص فاقد لخاصية اللباقة ويعرف أنه متى تحدث فأنه يدب كلاماً جارحاً وغير موضوعي، أو هو شخص له مصلحة مضادة، لا أثق في شخص يبدأ كلامه معى بـ (عيبي إني صريح)، لا أثق أصلاً بشخص يرى أن الصراحة عيب.
"صاحي يا عمر؟" سألني فقلت له "أيوه متنيل يا عم برما". سكت قليلاً ثم قال:
"بص يا نجم العالم، الناس وجهات نظر والبياعين نوعين نوع "بياع أحسن من بضاعته" يجيد استقبالك بطريقة غاية في السمسمة تجبرك على شراء ما لا تحتاجه تقديراً له، ونوع "بضاعته أحسن منه" لكن تكاسله وتعاليه وقلة حماسه يجعلونك تتراجع عن شراء شيء أنت في حاجة ملحة له، لذلك أتقبل من زوجتي بسعادة بالغة كل ما تضعه أمامي على السفرة فهي تنتمى للنوع الأول".
قلت لبرما: "طيب احكى عن واحدة من النظريات المشهورة اللي عرفت أصلها"، فقال:
لم يكن أرشميدس نائماً فى البانيو يلعب في شعر صدره عندما صاح "وجدتها وجدتها" الحكاية أن الملك طلب من صائغ شهير أن يصنع له تاجاً من الذهب الخالص وبعد أن تسلمه شك في أن الصائغ ربما يكون قد خلط الذهب ببعض الفضة فاستعان بأرشميدس المتعلم الوحيد في المملكة وسأله عن حل لهذا الشك الذى سيقتله، فذهب أرشميدس إلى حمام عام و كان نادراً ما يغتسل وقفز في الماء فلاحظ أن المنسوب ارتفع وفاض خارج المغطس ..شيء حدث من قبل مع شعوب من المستحمين لكن أرشميدس وجد فيه الحل ، كرر التجربة فاكتشف علاقة بين حجم الماء المزاح ووزن الجسم المغمور، وهكذا أصبح حل الفزورة سهلاً يكفيه أن يغمر التاج في الماء و مقارنة حجم الماء المزاح ساعتها بحجم الماء المزاح من غمر كتلة من الذهب الخالص مساوية لوزن التاج، رزق الله أرشميدس قوة الملاحظة لأن الصائغ كان عمره قد انتهى، فقد أعدمه الملك وأودع أرشميدس في مصحة عقلية .
سألت برما: "وهل ظل أرشميدس في المصحة حتى وفاته؟"، قال لي: هرب، وكانت هذه مفاجأة للممرضة التي كانت تطعمه السيريلاك فى العشاء.
"صدقنى يا عمر. الحياة بها الكثير من المفاجآت، ستفاجأ مثلى أن ارتداء الأسود على الميت تقليد يعنى الحزن عليه منذ أن وعينا على الدنيا، لكن التقليد كان له بداية مختلفة حيث كانوا الأوائل يؤمنون أن الشخص عندما يموت تهيم روحه بحثاً عن جسد آخر لتستقر فيه، فكانت القبيلة كلها ترتدى السواد حتى تعمى الروح الهائمة عنهم و تصرفها بعيداً، الأسود الذى قد تعتقد أنه وفاء للميت كان بدايته مجرد ندالة".
قلت له: "ياااه يا برما، لقد جعلك القطار رغاياً، طلبت منك أن تحكى لي قصة لكنك تدخل بي في متاهات قاتلة، أريد منك أن تعاملني كابن أخت حقيقي لك، احك لي حكاية بها طيور عملاقة تخطف بنت السلطان، أو جبل يتحرك و يطارد سارقي الكنز ، أو كلب بلدي يسرق الدجاج من عشة السيدة الضريرة، اعتبرني لم أتجاوز السادسة يا برما، عاملني كطفل لديه تأخر ما و يحتاج لزيارة طبيب تخاطب .. ممكن؟
قال برما: حسناً، ساعاملك كطفل، الطفولة جميلة بلا شك، بداخل كل شخص ناضج طفل يطل كلما تأمل هذا الشخص نفسه في المرآة ليسأله (ايه اللي حصل لك؟)، نحن لا نعرف قيمة الأشياء إلا بعد أن نفقدها لكن أرجوك تفاءل فنحن لا نعرف قيمة الأشياء المفقودة إلا عندما نجدها... هاههههها.
ضحك برما ثم سألنى: "عمرك اشتريت حاجة لأبوك في عيد الأم؟".
لم أرد عليه .
فأستكمل كلامه كأنه كان يسأل نفسه وقال: "أنا فعلتها في فترة المراهقة واشتريت له من مصروفي ولاعة غالية بالرغم من أنه لا يدخن، لذلك لم أندهش عندما أجبرني على إعادتها للمحل، صاحب المحل رفض أن يستعيدها فاضطررت للاحتفاظ بها وهكذا بدأت طريق التدخين".
قلت له: "برما للمرة الأخيرة، إذا لم تقص على حكاية لها بداية ونهاية و لحظة صراع ودراما تنتهى بلحظة ذروة ثم نهاية سعيدة فسوف لن تجدني في هذا الكابينة حتى نصل إلى أسوان".
قال برما: أوكيه، خد عندك قصة حكاها لي الله يرحمه الخواجة ماركيز عندما كنا نحتسى الحلبة بالحليب على مقهى الندوة الثقافية في باب اللوق، حكى لي ماركيز قائلا:
كان هناك رجل يعشق امرأة بجنون، وكان على وشك الزواج منها، لكنها كانت دائماً تتهرب وتؤجل الزواج لأسباب واهية، قرر الرجل أن يراقبها ليعرف سرها، فاكتشف أنها تحب رجلاً يسكن في كوخ فقير على أطراف المدينة، وكانت تزوره باستمرار وتقضي هناك ساعات طويلة، رآها وهي تتسلل إلى الكوخ عدة مرات، ثم قرر أن يقتل غريمه فتسلل إلى الكوخ وذبحه أثناء نومه، فحزنت المرأة برحيل عشيقها وكادت الأحزان أن تهلكها لولا أن الرجل أحاطها بحنانه واهتمامه فرق قلبها له وتزوجا، ثم أنجبت له ولدين في غاية الجمال كان سعيداً بهما وبها، وكانت الحياة تسير كما ينبغي، وفي يوم كان الرجل وزوجته مارين بأطراف المدينة وعندما اقتربا من كوخ العشيق المذبوح انزعجت المرأة وأسرعت خطاها، ابتسم زوجها وقال لها ساخرًا: الآن تسرعين خطاكِ؟ أين الأيام التي كنتِ تثقلين فيها الخطوات وأنتِ تغادرين الكوخ؟ لم ترد زوجته لكنها عرفت أن زوجها قتل الرجل الذي أحبته، كانت صدمة قاسية وقررت الانتقام، وفي يوم استيقظ الرجل فلم يجد زوجته ووجد ولديه مذبوحين، وإلى جوارهما رسالة بخط الزوجة مكتوب فيها: "فلتجرِّب حريق القلب".