الدكتور أحمد خالد توفيق صاحب سلسلة روايات "ما وراء الطبيعة"، و"سفاري"، و"فانتازيا"، وصاحب الروايتين الشهيرتين "يوتوبيا" و"السنجة" واحد من الكتاب الذين يمتلكون بكتاباتهم تلابيب القارئ، ليقتحما معاً عوالم لم يعرفها أو يرها أحد من قبل، تميل أجواؤها إلى الإثارة والخيال العلمي، وأحيانًا أخرى إلى الرعب الخالص، من خلال لغة رشيقة، مُختلفة، تتناثر من خلالها حبكة درامية لروايات تربى عليها أجيال وأجيال.

من طبيب إلى أديب إلى كاتب مقالات يُحلل فيها واقع المجتمع، ومن مدينة طنطا بمحافظة الغربية بمصر حيث ولد، إلى زيارات بداخل العوالم الموازية، ورحلات بداخل أحراش أفريقيا ومغامرات مع مصاصي الدماء يخوضها بأبطال رواياته، ومن روايات "الجيب" للشباب إلى روايات للكبار، كانت رحلة طويلة لتوفيق نتعرف بتفاصيلها في حوارنا معه، الذي تطرّق فيه أيضًا إلى واقع المشهد الثقافي في مصر والحريات الثقافية تحت حكم الإخوان المسلمين.

بداية، ما تقييمك للمشهد الثقافي الحالي في مصر ومستقبله؟
مصر "تغلي" الآن، فهناك توتر رهيب و"فقاقيع" تتصاعد و"فقاقيع" تنفجر، لا شك أنها ستكون تجربة ثرية جداً وسوف تتدفق الأعمال الإبداعية، لكن بعد أعوام عندما يختمر كل شيء، المهم ألا تكون المعاناة أكثر من اللازم فتقتل براعم الإبداع.

وصفت في كتاباتك المرحلة التي تمر بها مصر حالياً بأنها فترة تَعثُّر، لماذا؟
كان أملي كبيراً في أننا وجدنا طريقة تغيير ديمقراطية سلمية، ومع الوقت سوف نصحح مسارنا إلى أن نظفر بالحكومة الأفضل، هنا ظهرت مشكلتان، الأولى أنه لا أحد يقبل بالحكومة التي أفرزتها الانتخابات، والثانية أن الحكومة التي أفرزتها الانتخابات عنيدة ومتخبطة لا تؤمن بالتغيير وفاشلة كما هو واضح، وهذا موقف مأساوي، فمن حق الشباب أن يشعروا أن الثورة سُلبت منهم، ومن حق الإسلاميين أن يشعروا بالظلم؛ لأنهم عندما استعانوا بالسياسة والصناديق لم يقبل هذا منهم، وهذه وصفة ممتازة للعنف والحرب الأهلية مثل سيناريو الجزائر.

في ضوء هذه الإشكاليات، كيف ترى مستقبل الحريات بشكل عام في العصر الحالي؟
لابد أن نقلق من وجود سلطة دينية، الاختلاف هنا يضعك في دائرة الكفر وليس في دائرة المعارضة السياسية. لا ننكر أن جماعة الإخوان حتى هذه اللحظة تركوا الكل يقولون ما يريدون، هناك استدعاءات وتحقيقات لكن قل لي كم جريدة أغلقت وكم صحفياً سُجن؟ تابع التلفزيون وقل لي ما رأيك في إعلام يشتم رئيس الجمهورية ويسخر منه 24 ساعة؟ هذه شهادة أكيدة للنظام الحالي، لكني أعتقد أنه صمت مرحلي، لحظة الانتقام قادمة!

وكيف تقيم الحركة الروائية، في ظل الأعمال الكثيرة للشباب بعد الثورة؟
هناك أعمال رائعة وعميقة وهناك أعمال تافهة وسطحية جداً، لن أذكر أسماء، لكن ما زال الكبار هم القادرون على إحداث موجات عالية أدبياً، روايات الدكتور علاء الأسواني وروايات الدكتور يوسف زيدان أو صنع الله إبراهيم أو بهاء طاهر ستظل حدثاً أدبياً مهماً، لم يظهر أخيراً اسم يغير المناخ كله كما فعل الأسواني منذ أعوام.

إذن كيف تفسّر توسع دور النشر في إصدار الكتب وأغلبها للشباب؟
غير متحمس لهذه التجربة، فالنشر صار أسهل من اللازم وبعض الأعمال تمر دون أن يقرأها أحد، وهذا بالطبع يختلف عما تعرضت له في بداياتي ككاتب.

هذا يقودنا للسؤال عن الخطوة الأولى لك في عالم الكتابة ونشر رواياتك؟
في البداية يكتب الأديب كثيراً جداً ثم يشعر بالحاجة إلى الخروج للشمس! فتصبح رسالة الفن الغامضة هي "انظروا لي".. فكرت منذ البداية في التوجه للشباب بقصصي؛ لأنني أعرف أنهم المجال الأفضل والأخصب للقراءة، وفي كل معرض كتاب تثبت الأرقام أن الشباب هم من يقرأون فعلاً، هكذا فكرت في قالب يحوي أدب المغامرة الجذّاب للشباب مع ما أحب أنا كتابته، بمعنى "تأديب المغامرة" كما أطلقت عليه من ذي قبل، وقد رآه الكثيرون غريباً في البداية ثم اعتادوه، ومن ثم فإن "ما وراء الطبيعة" لم تكن أولى كتاباتي كما يعتقد البعض، لكنها أولى محاولاتي للنشر.

وكيف استوحيت شخصية "رفعت إسماعيل" وشخصية "علاء" و"عبير" أبطال رواياتك؟
"رفعت" فيه جزء كبير جداً مني أنا شخصياً، أما علاء فهو "رفعت آخر"، هو شاب أكثر إيجابية وطموحاً، ويمثل الحياة التي لم أعشها عندما فكرت في العمل طبيباً بأفريقيا، أما "عبير" فكانت فتاة بائسة تعمل في نادي فيديو، وكنت أراها تقرأ بنهم غريب بلا توقف، فقررت أن أستعيرها لقصصي، كل أبطالي امتداد لفكرة نقيض البطل الذي لا يتميز بشيء مما يميز الأبطال المعروفين.

توقّفت سلسلة ما وراء الطبيعية رغم تعلّق القراء بها، ما الأسباب؟
- السؤال هو الإجابة!.. توقّفت لتعلق القراء بها!.. أكره أن تصير عبئاً أو عادة سخيفة، بالتأكيد لو استمرت سيأتي يوم يقول فيه الناس: "كان من الحكمة أن يتوقف، ليته فعل"، دعك من أنني استنفدت كمية مذهلة من الأفكار والتعبيرات، لابد من نضوب، ولابد من تكرار، وأعتقد أن توقف هذه السلسلة تكريم لها.

هل تتفق مع من يرى أن روايات الإثارة لا تثير اهتمام القارئ؟
هي فقط لا تُثير اهتمام النقاد والسلطات الأدبية، لكنها تثير اهتمام القارئ طبعًا. ليس لدينا مفاتيح قياس أدب الجاسوسية والأدب البوليسي وأدب الرعب بعد. مازلنا نعتبر هذه الأنواع نوعية أقل لا تستحق اهتماماً جدياً.

راهنت على الشباب في كتاباتك، فهل تشعر أن شريحة القراء من هذا السن في ازدياد؟
الشباب هم قرّائي الأهم وصانعو شهرتي، لكن بالتأكيد أجد أن تأثيري في الأجيال الجديدة بدأ يقل نوعاً ما، وأعتقد أنني بلغت ذروة تأثيري في نهاية التسعينيات، لكنني أتقدم في العمر والفجوة بيني وبين الأجيال الجديدة تتسع!

وما شكل المرأة في عالمك الروائي؟
المرأة في كتاباتي كلها كائن أسطوري بعيد، ربما لأنني كنت أنظر إليها بكثير من التقديس في مراهقتي بسبب فرط الرومانسية؛ لذا فهي كائن ملائكي لا يمشي على الأرض، أو هي كائن شيطاني خطير لا نعرف عنه الكثير، أو هي كائن لا يمكن فهمه ويتصرف بطريقة غريبة، المهم أنها "آخر" دائمًا. يتهمني البعض بمعاداة المرأة، لكن هذا ناتج في رأيي عن فرط الانبهار.

روايتك "يوتوبيا" هي طريق مختلف في مسيرتك. متى تبلورت القصة بداخلك؟
كان لابد أن تتبلور. فمصر كانت "تغلي" وبدا بوضوح أن الانفجار قادم لا محالة، فلن ننسى قصص انتحار الشباب لعجزهم عن إيجاد عمل، والعمال الذين كانوا يحرقون أنفسهم من أجل كعك العيد، لقد رأينا "ألف بوعزيزي قبل ثورة تونس".

قلت من قبل إنك لو لم تكتب يوتوبيا "كان سيحدث لك خلل". لماذا؟
كان الخطر داهمًا وقريبًا. كان لابد أن أسكب مخاوفي على الورق كنوع من "التطهر الأرسطوطالي". علاج نفسي يشبه طقوس الاعتراف الكنسّية أو الرقاد على أريكة الطبيب النفساني. كأنني نمت على أريكة الطبيب وبدأت أتكلم: مصر يا دكتور مقبلة على كارثة، الأثرياء يتوحشون والفقراء يتوحشون.. إلخ.

"السنجة" عالم آخر وكتاب يُضاف لروائعك، حدثنا عن تلك التجربة؟
كنت أحلم برواية يدور فيها التساؤل عن كلمة معينة. كل تفسير للكلمة يقدم جزءاً من الصورة. حلمت كذلك برواية يستغرق فيها الكاتب إلى درجة أن يختفي من عالمنا تماماً ويصير داخل الرواية. السنجة لم تكن عن الثورة، فقد استعملتها فقط في جزء صغير، والفكرة هي أن السنجة كأداة صارت شيئاً جوهرياً في وجدان المجتمع المصري.

من روايات الجيب إلي روايات كاملة، ما الفارق بين التجربتين؟
هناك وجبات سريعة وهناك شطائر وهناك وجبات كاملة.. لا مشكلة!.. المهم أنني أمارس هوايتي في "الطبخ"، وأن هناك من يجد ما يغذيه فيما أكتبه، لكن لا أجرؤ على تقديم السنجة أو يوتوبيا ضمن إصدارات المؤسسة التي أعمل بها، خاصة أن قارئ المؤسسة الشاب أو المراهق اعتاد درجة معينة من التحفظ لديّ؛ لهذا أبتعد مسافة كافية قبل أن آخذ حريتي وأكتب عن البشاعة كما هي!

من هم الأدباء الذين تأثرت بهم في مسيرتك؟
تشيكوف ويوسف إدريس وإدجار آلان بو ومحمد عفيفي، إضافة إلى قائمة طويلة جدًا، لكن الغريب أنها تحوي أسماء من ليسوا أدباء لكنهم علموني الأدب، مقالات سامي السلاموني السينمائية، ومقالات هيكل السياسية، ومقالات جلال أمين الاقتصادية، ومقالات اللباد الفنية، فكلها دروس في الأدب الرفيع.

ومن أبرز أدباء الدول العربية والخليجية الذين تقدرهم؟
عشقت أمين معلوف وإبراهيم الكوني ومنيف وغازي القصيبي وأحلام مستغانمي.

لماذا لم نشاهد رواياتك في أفلام سينمائية؟
يُسأل السينمائيون عن ذلك. لكن كقاعدة لا يمكن أن تُقَدَّم أعمالك إذا أرسلتها للمنتجين، لابد أن يتصل المنتج بك أولا.

وصفت نفسك بالشخص الملول، لماذا؟
هل هناك صعوبة في أن يعرف الملول أنه ملول؟ نقلت قدمي خمسين مرة ونهضت عشرين مرة في أثناء إجراء هذا الحوار، ولو طال الأمر لبدأت أفكر في الانتحار! أنا بالفعل أواظب على التنفس؛ لأنني مرغم على ذلك بحكم النخاع المستطيل، وإلا لكففت عن التنفس؛ لأنه ممل.

ما هي الخطوة المقبلة لك؟
الرواية التالية طبعاً، لكن في الوقت نفسه أريد أن أدرس فن الرواية بعمق، بمعنى أن أصنع كتابي الخاص المكون من عدة مصادر، وطبعاً أحلم بالسينما لو أتيحت الفرصة.

نبذة عن د. أحمد خالد توفيق:
هو طبيب مصري (50 عاماً) تخرج في كلية الطب جامعة طنطا عام 1985 وحصل على الدكتوراه في طب المناطق الحارة عام 1997، ويُعتبر من أبرز كتاب أدب الشباب و"الفانتازيا" والخيال العلمي في مصر والعالم العربي، ولديه عدد من السلاسل الأدبية في هذا الصدد، وأبرزها:
سلسلة ما وراء الطبيعة- بدأت في العام 1993.
سلسلة فانتازيا- بدأت في 1995 .
سلسلة سافاري- بدأت في 1996.
سلسلة روايات عالمية للجيب (روايات مترجمة).
سلسلة رجفة الرعب (روايات رعب مترجمة).
سلسلة www بدأت في 2006.
ومن أبرز كتبه ورواياته:
كتاب "دماغي كده".
رواية "يوتوبيا" عام 2008.
قوس قزح (من أدب الرعب).
موسوعة الظلام (موسوعة عربية متخصصة في عالم الرعب).
الآن نفتح الصندوق (قصص قصيرة من أدب الرعب).
موسوعة هادم الأساطير (بالتعاون مع سند راشد دخيل).
قصة تكملها أنت! (قصة تفاعلية يشترك فيها الدكتور أحمد خالد توفيق).
الحافة (كتاب علمي يناقش بعض الحقائق الغريبة).
عقل بلا جسدـ مجموعة قصصية.
الغرفة رقم 207 ـ رواية من أدب الرعب عن دايموند بوك.
حظك اليوم ـ رواية.
عشاق الأدرنالين ـمجموعة مقالات سينمائية مشتركة بينه وبين د.تامر إبراهيم وسند راشد دخيل.
الآن نفتح الصندوق (قصص قصيرة من أدب الرعب).
زغازيغ (قصص قصيرة ساخرة نشرت في أغسطس 2009).
الآن أفهم (قصص قصيرة من أدب الرعب والغموض نشرت في أغسطس 2009).
مجموعة قصاصات قابلة للحرق عام 2009 عن دايموند بوك.
شاي بالنعناع ـ مقالات ساخرة - دار ليلى 2012.
ضحكات كئيبة ـ مقالات ساخرة 2012.
السنجةـ رواية 2012.
قهوة باليورانيوم (مجموعة مقالات).