أيام كان طموح الوطنيين أن ينجح المعارضون فى انتخابات البرلمان بغض النظر عن آرائنا الشخصية فيهم، مصطفى بكرى عن دائرة حلوان والبدرى فرغلى عن بورسعيد وحمدين صباحى عن البرلس وسعد عبود عن بنى سويف وغيرهم، ليكونوا صوت المعارضة القارسة فى وجه أحمد عز وعصابته ربما لم يحققوا ما نحلم به، لكن وجودهم فى الصورة فى حد ذاته كان أشبه بـ "نواية" تسند القلب.
أيام كنا نفرح بأخبار عن تغيير وزارى محتمل، بالرغم من إيماننا التام أنه مجرد تغيير وجوه لا سياسات (بس أهو أى تغيير و خلاص).
أيام كنا نحلم أن تعود أيام اللواء أحمد رشدى فى إدارة الداخلية، بينما نتبادل قصصاً أسطورية عن حملاته المفاجئة على أقسام الشرطة متنكراً وعن احتشاد النظام الفاسد لعزله لأنه كان مستقيماً، وعن تجار المخدرات الذين طرحوا فى الأسواق صنفاً من الحشيش مخفضاً يحمل اسم "رشدى" احتفالاً برحيله، بعد أن أوقف حالهم واستطاع أن ينهى أسطورة الباطنية.
أيام كان طموح بعضنا أن يأتى إسماعيل الشاعر وزيرًا للداخلية كونه أرحم من العادلى (أى حد الصراحة كان أرحم من العادلى)، كنا نحكى و نتحاكى عن وقفة الشاعر لينظم المرور بنفسه فى وسط المدينة وتواجده فى الإستاد، لا فى أرض الملعب لكن على مقاعد المتفرجين وبينهم.
أيام كنا نرى الأمل معلقا بأن يعين مبارك نائباً له، وكنا وقتها نرى اللواء عمر سليمان هو الأجدر بهذا المنصب، وكنا نؤمن أن وصوله إليه سيقلص الحيز الذى يشغله جمال مبارك فى الصورة العامة، أيام كنا نرى أن مبارك نفسه أرحم من جمال مبارك.
أيام كنا نحلم بوزير معارض يصلح أن يكون بطلاً شعبياً، أيام كنا لا نمتلك قصصاً نرويها بحب وإعجاب عن حكوميين شرفاء إلا عبد السلام المحجوب عندما كان محافظاً للأسكندرية، وعادل لبيب عندما كان محافظاً لقنا، وأحمد جويلى عندما كان وزيراً للتموين وحسب الله الكفراوى آخر وزراء الإسكان المحترمين، وأسامة الباز مستشار الرئيس الذى كنا نصافحه فى المترو كل يوم ونلتقط معه الصور التذكارية فى الندوات والمعارض الفنية.
أيام كنا (ناخد و ندى) فى حواراتنا عن أن مصطفى الفقى يعتبر (تبعنا) وحسام البدراوى بقعة أمل فى مستنقع الحزب الوطنى وعلاء مبارك أخف دماً من شقيقه، والجنزورى يعيش قيد الإقامة الجبرية لأنه الوحيد الذى (بجّح) فى مبارك وعائلته، وأن أبو غزالة أعاد البلد إلى مبارك بعد أن ضاعت منه فى أحداث الأمن المركزى 1986فكافأه مبارك بالنفى من المشهد العام، وأن رضا هلال اختفى لانه يمتلك أدلة على انحرافات أخلاقية لشخصية عامة، وأن اللواء سعد الدين الشاذلى ممنوع من الحديث لأنه يعرف عن حرب أكتوبر مالم يعرفه أحد بالذات عن مدى صدق أو وهم مسألة الضربة الجوية، وأن فضيحة حسام أبو الفتوح سببها رفضه لعرض جمال مبارك فى أن يكون شريكاً فى توكيل سيارات بى إم دبليو، وأن أحمد بهجت فى أمريكا لا للعلاج ولكن هرباً من التضييق عليه بسبب تبنى محطته لحوارات محمد حسنين هيكل، وأن فاروق حسنى مستمر فى موقعه إلى الأبد لأنه يحوز رضا الهانم، وأن هشام طلعت مصطفى في السجن نتيجة حرب خفيه بينه وبين أحمد عز.
أيام كانت حواراتنا السياسية قائمة على الإستنتاجات والربط التعسفى بين الأخبار وتطبيقات نظرية المؤامرة والاعتماد على تكنيك "بيقولك" ومعاملة الشائعات كحقائق، كل هذا فى الوقت نفسه الذى كان النظام يتغنى فيه بسياسة (الشفافية).
أيام كان التنفيث متاحاً فى حدود متابعة جريدة الدستور قبل أن يجرى لها الدكتور السيد البدوى جراحة إزالة الرحم، ومتابعة برنامج القاهرة اليوم قبل أن يتم رفع عمرو أديب من على الشاشة لأن المحطة التابع لها لم تدفع إيجار استوديوهاتها، والالتفاف حول هامش سخرية محمود سعد من المسئولين على التليفزيون المصرى قبل أن يهدمه على رؤوس الجميع أنس الفقى فى آخر عملية انتحارية له قبل أن يودع السجن، وأفلام خالد يوسف على كل ما فيها من هتاف مباشر، ومقالات عبد الحليم قنديل قبل أن يتم منعه من الكتابة وهو قرار سبقه قيام الأمن باختطافه وضربه وتجريده من ملابسه وإلقائه فى منطقة مهجورة فى المقطم، وتتبع مقالات فهمى هويدى الممنوعة من النشر فى جريدة الأهرام، وسلالم نقابة الصحافيين بقيادة محمد عبد القدوس بميكروفونه الشهير، ووقفات حركات كفاية و6 أبريل التى تنتهى دائماً باعتقالات جماعية، والتصويت للإخوان فى إنتخابات البرلمان نكاية فى الوطنى، والتظاهر من أجل فلسطين والعراق والاشتراك فى العمل العام لدعم جهود إغاثة غزة وغيرها، واعتصامات وإضرابات العمال التى تطورت بمرور الوقت، فقد بدأت بأن خلع عمال شركة أمنيستو ملابسهم ووقفوا شبه عراة أمام البرلمان، ثم أخذت شكل مسيرات جنائزية تحمل نعوشاً للوطن بقيادة عمال النوبارية وشركة المعدات التليفونية، مروراَ بالأب الذى اصطحب زوجته وأطفاله الثلاثه ثم علق كل واحد منهم فى مشنقة أمام البرلمان، نهاية ب"عبده عبد المنعم كمال" ابن مدينة القنطرة غرب الذى أشعل النار فى نفسه أمام وزارة الصحة قبل الثورة بأيام.
كان أقوى ما امتلكه البعض فى التنفيث هو استقبال البرادعى فى مطار القاهرة عقب عودته من الخارج للإستقرار فى مصر، ثم مشروع الدولة الموازية (ببرلمانها وحكومتها) الذى تم إعداده عقب انتخابات 2010 المزورة، المشروع الذى أقلق مبارك ونفث عنه ب"قلشة" (خليهم يتسلوا)، وقد كانت "القلشة" التى قصمت ظهر البعير
كيف كنا نعيش قبل الثورة؟
إنها الأيام التى كنت تخاف فيها أن تدخل إلى قسم شرطة حتى لو كنت صاحب حق أو مجنى عليه يريد الإبلاغ عما تعرض له (تغير الوضع والحمدلله بعد الثورة فأصبح ذهابك للقسم زى قلته)، أيام كنت تخاف أن تدخل مستشفى عام فتنقطع الكهرباء وأنت تحت يد الجراح فى غرفة العمليات، أو تدخل مستشفى خاصاً فيتم وضعك على جهاز تنفس صناعى وإمدادك بأوكسجين مغشوش معبأ فى مصانع وطنية (لم يتغير الوضع بعد الثورة لكن احتل حديث المستشفيات مرتبة متأخرة فى معرض حواراتنا اليومية)، أيام كنت تخاف أن تربى ذقنك وتتردد ألف مرة قبل أن تصلى فى مساجد بعينها وتفكر ألف مرة قبل أن تساعد عائلة ربها معتقل سياسيا (ارتبكت الداخلية بعد ظهور نجم الجيل الملتحى وتحوله إلى موضة فلم تعد الداخلية قادرة على التمييز بين لحى الشباب إن كانت روشنة أم تدين إلى أن أودع نجم الجيل السجن فهدأت الحيرة قليلاً، خاصة بعد تحول الشباب من إطلاق شعر الذقن إلى إطلاق شعر الصدر تعاطفا مع قضية تمورة، نضج هذا الشباب بعد الثورة و تكتل صانعاً جمعية خيرية اسمها "احنا آسفين يا ريس")، أيام كنت تخاف أن تذهب إلى أى مصلحة حكومية دون أن تتواصل مع شخص يستطيع أن يحرك لك هناك المراكب العطلانة سواء بقوة النفوذ أو بقوة "الشاى ..كل سنة وانت طيب"، أيام كنت تخاف على مستقبل أبنائك فى العثور على عمل وأنت لا تمتلك الواسطة (تم القضاء حاليا على الواسطة بأن تم القضاء على فرص العمل أصلاً)، أيام كنت تخاف على أبنائك من قهرة عبد الحميد شتا طالب السياسة والاقتصاد ابن العائلة الفقيرة وصاحب تقدير الإمتياز الذى تم رفضه فى اختبارات وزارة الخارجية بحجة أنه غير لائق اجتماعياً، أيام كنت تخاف أن ترفع قضية لتسترد حقك ليقينك أن يوم المحاكم بسنة وأن العدالة البطيئة ستقهرك قبل أن تنصفك إذا طال عمرك وعشت لحظة إصدار الحكم أيام كنت تخشى أمناء الشرطة أكثر من اللصوص، والمخبرين أكثر من البلطجية، وتتفادى الشحاذين بينما تقع بكامل إرادتك فى قبضة النصابين، أيام كان الخوف هو شقيقك فى هذا الوطن، أيام كنت تتسلح بالخوف لحماية أكل عيشك ورزق بيتك وأمن أولادك وبناتك فكانت النتيجة أن بدأت ترى كل هذا يضيع من بين يديك بالتدريج حتى وصلت إلى اللحظة التى آمنت فيها أن الخوف لم ينفعك وأنك لم تعد تمتلك ما تخاف عليه فنزلت إلى ميدان التحرير لتسحق كل هذا البؤس.
أيام عاد علم مصر إلى الحياة وظل لست سنوات – بطول ثلاث بطولات لكأس الأمم الأفريقية - بطل المشهد فى كل بلكونة وسيارة، أيام كنا نؤمن أن الكرة تلهى الناس عن السياسة إلى أن فوجئوا أهل السياسة أن الكرة هى التى علمتنا أن نتجمع ككتلة صلبة مخيفة فى كل مرة كنا نسد فيها الشوارع فرحاً ببطولة إلى أن استثمرت الحالة نفسها بنفسها فيما هو أهم فكان أن تجمعت الكتلة من جديد فى الميدان متجانسة بحكم عشرة السنوات فى المدرجات والشوارع مخيفة كونها تؤمن بالمستحيل وبقوة "يا حبيبى يا رسول الله"، أيام انشغلنا بماتش الجزائر وتوابعه سواء معارك شوارع الخرطوم و(آه يا غاليه آه يا غالية يا حبيتى يا مصر رايتك برده عاليه) أو رباعية أنجولا المهينة و(آه يا خضرا آه يا خضرا مصر فاجرة مصر قادرة).
أيام كان الكلام فى السياسة لا ينصب على تزوير الإنتخابات قدر ما ينصب على تزوير عقد "جدو"، أيام كان الانقسام غير مرهون بتعديلات دستورية لكنه مرهون بتعديلات طريقة لعب الأهلى على يد حسام البدرى، أيام كان التصويت غير مرتبط ب "صندوق إنتخابى" لكنه تصويت ناتج عن قدرة شيكابالا على التهديف من خارج "صندوق ال18".
أيام كانت الجلسات ساخنة لا بسبب الحديث عن صفقات السياسة لكن بسبب الحديث عن صفقات عدلى القيعى، أيام كان الإعلام مثار هجوم البعض لا لكونه يحارب الثورة لكن لكونه يحارب التوأم حسام وإبراهيم حسن، أيام كان النظر إلى المستقبل لا يتوقف عند سؤال ما هو مصير الثورة؟ لكن كان يتوقف عند سؤال ما هو مصير عصام الحضرى؟.
إنها الأيام التى كانت الثرثرة تحوم فيها حول إذا ما كانت حنان ترك قد عادت لزوجها بالفعل أم أنها عودة صورية، وهل جائزة الميوزك أوورد التى يتنافس عليها عمرو دياب وإليسا جائزة حقيقية أم يتم شراؤها بالمال، ومن النجم الذى سيقوم ببطولة إعلانات بيبسى فى رمضان القادم؟، وهل مكالمة شوبير التى عبر فيها عن رأيه فى مرتضى منصور وأقصته عن الشاشة لفترة هل كانت حقيقية أم مفبركة؟، وهل صحيح أن شوبير تم استبعاده لأنه قال لجمال مبارك فى مداخلة هاتفية "باقولك ايه يا جيمى"؟، ومن فى النجمات جعلها "النفخ" أكثر بريقاً ومن التى "نفخت فاتنفخت"؟، لماذا تم استبعاد نيرفانا من البيت بيتك؟، وما هو أجر مدحت شلبى الشهرى الذى جعله يصرح أنه أغلى مذيع رياضى فى مصر؟، وهل صحيح أن عادل إمام حصل على 25 مليون جنيهاً مقابل صوته فقط فى إعلان فودافون بينما يحصل الفخرانى على 15 مليوناً فقط مقابل مسلسل كامل؟ ، هل يوم كسوف الشمس سيكون إجازة رسمية؟ وكيف يكون العلاج إذا ما نظرت للشمس يومها ، السعودية شافت هلال رمضان خلاص .. طب و بالنسبة لـ "ليبيا"؟، تفسيرات الزحام التقليدية تملأ الأركان زحام النصف الأول من رمضان سببه أن رمضان "جه فجأة" كعادته وبداية من النصف الثانى من الشهر يتم تبرير الزحام بأنه "كل سنة وانت طيب ..رمضان جرى .. والله لسه بدرى والله يا شهر الصيام"، امتحان الفيزياء فى الثانوية العامة مأساة تنتهى بمحاولات تقطيع شرايين أو استنشاق الكله ووزير التعليم يؤكد أن الامتحان فى مستوى الطالب المتوسط وأنهم سيراعوا الصعوبة عند التصحيح والنتيجة نسبة نجاح تفوق 98% فى الفيزياء لكن نسبة النجاح فى الإحصاء 60% (الوزير بيقطع من هنا ويوصل من هنا).
لم تكن ثرثرتنا كلها تافهة، فى بعض الأحيان كانت محاولة للتعايش مع مشاكل يومية لا حل لها كالزحام والغلاء والتحرش وسوء أخلاق الشارع وطفاسة شركات المحمول والشروط التعجيزية لإلحاق الأطفال بالمدارس الشهيرة .
ثرثرة حول كيف أن سعر الشقة مئة متر فى "مدينتى" يتجاوز المليون جنيه لأن الحديد "شاحح" فى السوق ويباع بأسعار احتكارية، عن القطارات التى "تلبس فى بعضها" كل شهر، عن اشتغالات الحكومة المتكررة من حزام الامان للوحات المعدنية الجديدة للضريبة العقارية للقاح انفلونزا الخنازير والطيور واشتعال المنافسة فى سوق الكمامات لمنحة الرئيس التى يعقبها فى اليوم التالى مباشرة قرار برفع الأسعار بما يوزاى قيمة المنحة، عن البيوت التى لا يخلو واحد منها من مريضين على الأقل واحد منهما فى منتصف شبابه بينما رئيس جمهورية تعدى الثمانين يطل علينا يوميا دون شعرة بيضاء واحدة.
ثرثرة عن أزمة المياة القادمة بعد أن وقعنا من حسبة الدول الإفريقية (على هامشها استوديو تحليلى للتوزيع الساخر للمياه فى مصر .. الفقراء يشربون ماء المجارى بينما ملاعب الجولف يتم ريها بالماء العذب)، عن أزمة الغاز بعد أن بعناه رخيصاً لإسرائيل (على هامشها كان الملثم يتدرب بقوة فى مكان ما مجهول فى انتظار لحظة كان واحداً من قلائل يؤمنون أنها قادمة لا محالة)، عن أزمة الأخلاق بعد أن أصبح "كل واحد ماشى بدراعه" وعن ذلك اليقين بأننا "داخلين على أيام سودا" (أيام مبارك كنت تخاف الدخول على أيام سوداء بخطوة إلى الأمام، بينما الآن تخاف من الدخول على أيام سوداء بخطوة إلى الخلف).
ما الذى تغير وكيف تغير؟
قول أنت.