رغم أنها بدأت كشاعرة وحازت جائزة عن ديوانها الأول، إلا أن الشاعرة والقاصة والمترجمة التونسية إيناس عباسي تجد نفسها في القصة أكثر، لكنها لا تكتفي بذلك أيضاً، حيث فضلت ألا تقتصر على الكتابة، بل قررت أن تقتحم عالم النشر لتنشر كتباً للأطفال واليافعين.

هجرت الشعر لكنه رفض أن يطلقني لذا ما زلت أكتب حتى الآن وإن كنت أفضل القصة هناك دواوين في الأدراج لكن الناشرين يفضلون نشر الروايات على الشعر
24 التقاها على هامش مشاركتها في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، وحول هموم عالم الكتابة، وتجربتها الإبداعية كان معها هذا الحوار.

أنشأت مؤخراً دار لنشر كتب الأطفال، كما أنك تكتبين للأطفال، ما الذي دفعك لهذا، على الرغم من أن الكتابة للطفل من أصعب مجالات الكتابة، خاصة أن الكاتب يريد أن يصل إلى مخاطبة عقل الطفل، كما يفكر، كيف كانت التجربة بالنسبة لك؟
الكتابة للأطفال مسألة صعبة بالفعل، لأني ككاتبة تلوثت بلغة الكبار، كما أنني ملوثة أيضاً بلغة الشعر ولغة الصحافة ولغة القصة، لكن عند الكتابة للطفل، يجب أن أترك كل هذا وأكتب بلغة الطفل، باللغة التي يجب أن يكون فيها إثراء له ولعالمه، ولمصطلحاته. لكن بالنسبة للكتابة للأطفال فأهم شيئين فيها هما الفكرة واللغة، بالنسبة للفكرة فلا مشكلة فيها لأن الأفكار ملقاة على قارعة الطريق كما يقول الجاحظ، لذا يبقى الأسلوب، وطرافة الفكرة، وكيف تشد الطفل، حتى يقرأ القصة ويشتري الكتاب. هي في النهاية مثل أي كتابة، لا بد لها من تطوير وتنقيح وتحرير بعد فترة، بعد كتابة النص.

لكن ما الذي جعلك تتحولين إلى كتابة للأطفال، خاصة أنك كنت تكتبين الشعر فقط من قبل؟
مثل جميع الكاتبات تقريباً، يبدأ الأمر مع الاهتمام بتجربة الأمومة، حين تصير الكاتبة أماً وتبدأ في حكي القصص لأطفالها، ثم تفكر لم لا تحول هذا الحكي إلى كتابة، ومن هنا تبدأ الكتابة الأطفال.

إذن يمكن القول إن الأمومة هي سبب الكتابة للأطفال بالنسبة لك؟
نعم، الأمومة هي الشرارة التي تجعل الفكرة تتشكل.

أنت تكتبين الشعر والقصة، وللأطفال، لكن ما هو الأقرب إليك؟
الإجابة النظرية التي يجيبها كل الكتاب هي أنه لا توجد فوارق بين الأجناس، لكن الإجابة الحقيقية، أو إجابتي الشخصية، هي أنني أفضل القصة القصيرة والرواية، أكثر حتى من الشعر، لأني أشعر أني مرتاحة فيها أكثر، أشعر أن السرد هو بيتي.

لكنك معروفة كشاعرة أكثر؟
لأنني بدأت كشاعرة، ولأني أحب الشعر، ولكني أرتاح أكثر وأعيش جو الكتابة في القصة والرواية، ربما لأن مدة الكتابة فيها أكثر، والعمل أكثر والتعب على الكتابة أكثر، فالمتعة أكثر بالتالي.

هل يمكننا بهذا أن نقول أن آليات الشعر ذابت داخل الرواية أو القصة؟
لا لم تذب، أصبحت نقطة قوة، لأنها أصبحت وسيلة. لأن جُملي في القصة بها وصف أكثر، ولغة شعرية، لا زالت أكتب الشعر، لكنه آني، يكتب بسرعة، من الممكن أن أكتب قصيدة، وأنتظر عاماً آخر حتى أكتب قصيدة أخرى، ومن الممكن أن أكتب في اليوم التالي.

هل تقصدين أن القصة أكثر مرونة في يد الكتابة من الشعر؟
لا، الشعر أكثر مرونة، لكني أقصد أن القصة تعيش معي وقتاً أطول، وأعيش مع حالة كتابتها أكثر، لكن القصيدة من الممكن أن تكتبها في يوم، وتعمل عليها أسبوعاً على الأكثر.

في السرد، هل تكتبين عادة أشياء من تجربتك الشخصية؟
أحياناَ تكون الشرارة الأولى من تجربتي، لكن ليست الحكاية كلها تخصني، أحياناً تكون الشرارة مشهداً أو موقفاً، فأنطلق منه وأضيف الشخصيات والأحداث. هناك قصة مثلاً اسمها "حين رأى جثتها"، تحكي عن شيء رأيته في حياتي، لكني غير موجودة في النص، كنت عندما أعود إلى البيت أرى ظلاً، وكنت دائماً أتخيل أنها جثة معلقة، ومن هنا جاءت فكرة قصة.

كتابك "حكايات شهرزاد الكورية" ينتمي إلى أدب الرحلات، هل كنت تخططين قبل سفرك إلى كوريا لكتابته؟
لا، لم أكن أخطط لذلك، كان البرنامج الأدبي أن أترجم رواية من الفرنسية إلى العربية، لكني تعطل مشروع الترجمة ولم أكمله، بسبب ثراء المجتمع الكوري، كما أني خشيت أن أنسى التفاصيل التي رأيتها هناك، ففضلت أن أكتبها، ومن هنا جاءت فكرة الكتاب.

ديوانك الأول حصل على جائزة أدبية فور صدوره، ما الذي مثله لك ذلك وقتها؟
الديوان بالفعل فاز بجائزة بعد صدوره بشهر، كان إحساسا جميلاً ومدهشاً، خصوصاً أن اللجنة كانت كلها أساتذة بجامعة الآداب التونسية.

لكنك رغم ذلك هجرت الشعر إلى القصة؟
يمكن القول إني هجرت الشعر لكنه رفض أن يطلقني، لذا ما زلت أكتب حتى الآن، وإن كنت أفضل القصة. هناك دواوين في الأدراج، لكن الناشرين يفضلون نشر الروايات على الشعر.

لماذا؟
لأنهم يسمون هذا زمن الرواية، رغم أن هناك شعراء كثراً، نحن في تونس لدينا شعراء أكثر من الروائيين، لكن بالرغم من ذلك فالناشرون يفضلون الرواية، و صار كل شاعر يميل لعمل رواية، ربما لأن السوق يريد هذا.

هل تعتقدي أن القارئ صار يفضل الرواية على الشعر؟
لا أعتقد ذلك، القارئ ما زال يفضل سماع الشعرـ أحكي عن تجربتي الشخضية، كقارئة، أفضل الاستماع إلى الشعر، لكن القارئ العادي يفضل أن يشتري الرواية، وهذا ما جعل الناشرين ينفرون من نشر الشعر.

من السبب إذن في هذه الأزمة، الشاعر أم الناشر؟
صعب أن نحدد سبباً مباشراً، لكن يمكن أن نقول أن القارئ سبب أيضاً، وحتى الشاعر صار يكتب لغة فوقية، لماذا نجد أن الأبنودي ونجم لديهما جمهور، لأنهما لمسا شغاف القارئ ولم يتعاليا عليه، وأيضاً مظفر النواب. وهو لا يكتب شعراً شعبوياً فقط، بل يكتب شعراً موزوناً، وشعراً محكياً، المشكلة ليس بها سبب واحد، لكن الحقيقة هي أن الشعر نخبوي، ما عدا بعض الأسماء مثل نزار قباني ومحمود دوريش.

مجموعتك القصصية، هشاشة، بها لغة شعرية، هل بسبب كونك قادمة من خلفية شعرية؟
المجموعة تحكي عن هشاشة الإنسان، الذي يتعرض للفشل، للخيانة، كل قصة بها نقطة ضعف تكشف جانباً من جوانب الإنسان. بالنسبة لي أنا أكتب قط، ولا أفكر في ما أكتب، لا أفكر سوى في النص والشخصيات، لكن اللغة والأسلوب يأتيان بعفوية، ولا أتحكم فيهما، أتحكم فقط في مرحلة التحرير الأخيرة، لكن الجملة تأتي بعفويتها منذ البداية.

كيف ترين المشهد الإبداعي الشعري في تونس، خاصة الجيل الذي تنتمين إليه، هل قدم شيئاً جديداً، وهل لا زالت "قصيدة النثر"، تمثل أزمة لدى الأجيال القديمة؟
ظهرت أجيال أخرى بعدي، لكن الجيل الذي أنتمي إليه ظل يتأرجح بين قصيدة التفعيلة والنثر، وحتى الآن، بعض الأصدقاء الذين كانوا يكتبون التفعيلة مالوا لقصيدة النثر، وربما هذا هو التطور الطبيعي لقصيدة التفعيلة.

يتحدث الكثيرون عن وجود قطيعة بين الأجيال الأدبية العربية الواحدة، في أكثر من قطر، مصر، وسوريا، وتونس، هل ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في الحد من تلك القطيعة، ومن هم أبرز مجايليك شعرياً؟
وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الناس تعرف بعضها أكثر، وصلت النصوص للقارئ أسرع، لكن مع ذلك أنا خرجت من مرحلة الرومانسية تلك، فما يهمني هو أن يباع الكتاب ويصل إلى يد القارئ، أما إلى أي حد تخدم هذه المواقع الكاتب؟، يمكن القول إنها تخدم إلى حد التعريف بالكاتب، حتى الهاشتاق أصبح يسرع عملية الانتشار أكثر، لكي يصل إلى عدد كبير في نفس اللحظة، وهذا كله في مصلحة الكاتب.

ما مشروعك الإبداعي الجديد؟
الراحة، هذا ما أفكر فيه الآن. هذه السنة كانت متعبة جداً، لأني عملت فيها كتباً للأطفال، حاولت الترويج للدار فاستنزفت كل طاقتي، لذا أحتاج للراحة لكي أبدأ مشروعاً جديداً، أو قصة جديدة أو فكرة جديدة.