جامع الشيخ زايد الكبير في العاصمة أبوظبي
24- أبوظبي
خطبة الجمعة الموحدة في الإمارات: العدل
نشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 2 أكتوبر (تشرين الأول)، تحت عنوان "العدل".
وتناولت الخطبة الأولى لصلاة الجمعة الحديث عن العدل كأساس ثابت في الشريعة الإسلامية ومبدأ تقوم عليها الأعمال وأوضحت ثوابه ومواضعه وحثت عليه وأكدت في الخطبة الثانية أن العدل يدفع نحو استقرار الأوطان، ويسعد به الإنسان، وينعم بالعيش الكريم.
نص الخطبة
أيها المسلمون: "لقد خلق الله تعالى السموات والأرض على أسس عظيمة، وثوابت قويمة، ومن أعظمها وأرسخها: العدل، فبه قامت الدنيا، وبه استقامت الحياة، قال جل في علاه:( والسماء رفعها ووضع الميزان). أي: وضع في الأرض العدل وأمر به. وبالعدل نزل القرآن، قال سبحانه:( الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان). قال بعض المفسرين: الميزان هو العدل".
شواهد شرعية
وقد تولى الله جل شأنه إقامة العدل بين خلقه، فهو القائم بالقسط- أي العدل- سبحانه، قال تعالى:( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم). وأنزل الله عز وجل كتبه، وأرسل رسله؛ إقامة للعدل، وإحقاقا للحق؛ قال سبحانه:( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط). فما من نبي أرسله الله تعالى إلا أمره بالعدل، قال جل شأنه لداود عليه السلام:( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق).
وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالعدل، فقال جل ذكره:( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين). أي العادلين. وقال أيضا لنبيه صلى الله عليه وسلم :( وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم). قال أحد العلماء: أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يعدل، فعدل حتى كان العدل منهاجه صلى الله عليه وسلم. والعدل ميزان الله في الأرض، به يؤخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبه يرد المعتدي. فإذا ظهر العدل بين الناس؛ وأسفر وجهه؛ فهو دين الله الذي أراد، وشرعه الذي ارتضى.
عدل الناس
أيها المؤمنون: إن الله تعالى أمركم بالعدل كما أمر به المرسلين، فقال سبحانه:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون). وقال عز وجل:( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين). فأمر سبحانه بالعدل في الفعال والمقال، على القريب والبعيد، لكل أحد، في كل وقت، وفي كل حال. فالإسلام يأمر المسلم بالتزام العدل مع الناس كافة، مع من يحب ومن لا يحب، فلا تخرجه الخصومة عن العدل، ولا تدخله المحبة في الباطل، قال جل وعلا:( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى).
ثواب العدل
عباد الله: إن للإسلام حائطاً منيعاً، وباباً وثيقاً، فحائط الإسلام الحق، وبابه العدل. ولذا كان ثوابه كريماً، وأجره عظيماً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن "المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا". فيا بشرى كل من عدل، واتبع سبيل أهل العدل. وللعدل صور كثيرة، ومظاهر عديدة، فمنها أن يكون المرء عادلا منصفا من نفسه، ينتصح إذا نصح، ويتذكر إذا ذكر، يقبل الحق ولا يتمادى في الباطل، شعاره: الحق أحق أن يتبع؛ قال عمار رضي الله عنه: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: وذكر منها: الإنصاف من نفسك.
في التعامل
كما أن عدل الرجل مع زوجته، وعدل الزوجة مع زوجها من أهم صور العدل وأجلها، وقد أمر الله عز وجل بذلك فقال سبحانه وتعالى:( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) أي: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف. فلا يكلف أحدهما الآخر ما لا يطيق، ولكن يعامله بأعدل معاملة، ويصاحبه بأحسن عشرة، وكذلك العدل بين الأولاد؛ في المحبة والعطايا والهبات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اعدلوا بين أولادكم في النحل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف. فتنعم الأسرة بثمرات العدل.
والعدل في التجارات والمعاملات من أسباب تحقيق الخير والسعادة للناس، قال تعالى:( وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا).
عدل وظيفي
ومن صور العدل الدقيقة أن يعدل الموظف في وظيفته، فيوفيها كامل حقها كما يحب أن يستوفي كامل حقه، وكذلك يعدل المرء مع الناس جميعا، فيقدم لهم كل ما يحسن من الأقوال والأفعال، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوه به من أدب رفيع، وأخلاق سامية، فقد سأل أحد الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نبئني بعمل يقربني من الجنة، ويباعدني من النار. فقال صلى الله عليه وسلم :" تعبد الله لا تشرك به شيئا... وتأتي إلى الناس ما تحب أن يؤتوه إليك، وما كرهت لنفسك فدع الناس منه".
منهج حياة
فحري بالمرء أن يتخذ من العدل منهاجاً له في حياته، فيعدل مع نفسه وأسرته ومجتمعه في أقواله وأفعاله، وأن يقدر للدولة جهودها في تحقيق العدل، ويحترم قوانينها. فاللهم اجعلنا بالقسط قائمين، وبالعدل ملتزمين، وللحق متبعين، ووفقنا جميعاً لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).
الخطبة الثانية
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن العدل في الفصل بين الخصوم، من أعظم صور العدل، قال جل شأنه:( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا). فبالعدل تستقر الأوطان، ويسعد الإنسان، وينعم بالعيش الكريم، والخير العميم، ويحصل التلاحم بين الحاكم والرعية، ويسود في المجتمع التماسك والتعاون، والود والتراحم، وتعم البركات، قال أحد العلماء: حاكم عادل خير من مطر وابل، وما أمحلت أرض سال عدل الحاكم فيها، وإذا رأيت الحكام يتنافسون في العدالة، فتلك نعمة طائلة.
فلله الحمد والمنة، ومنه الفضل والرحمة، أن وهبنا قيادة رشيدة، اتخذت العدل منهاجاً للحياة، وأساساً للحكم، فسنت القوانين، وعينت القضاة، وتابعت شؤون المحاكم، ليكون العدل أساس دولة الإمارات العربية المتحدة، فأحبها الجميع، وشهدوا لها بالعدل، ودعوا لها بالتوفيق والسداد.