نشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 18 ديسمبر(كانون الأول) تحت عنوان "مولد الرحمة المهداة".

تحدثت خطبة الجمعة عن ذكرى المولد النبوي الشريف، وأوردت صفات النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وما حملته دعوته من خير وسلام للبشرية جمعاء، أوضحت ما دعا إليه النبي الكريم من خلق حميد وهداية وعدل وأشارت إلى أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم قوامها الرحمة، وأساسها الدعوة للسعادة، ودعت في الخطبة الثانية إلى السير على هديه واتباع سنته بما فيه صلاح وخير للأمة.

نص الخطبة
أيها المسلمون: إننا نعيش في هذه الأيام ذكرى عزيزة على قلب كل مسلم، إنها ذكرى مولد الهدى والنور سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى:( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين).

فقد أرسل الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم فأضاء برسالته الأرض بعد ظلامها، وهدى به الألباب بعد ضلالها, فكان مولده وبعثته صلى الله عليه وسلم رحمة للناس جميعاً، قال سبحانه:( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). أي: إن الله أرسل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به. وأما من لم يؤمن به فدعاهم إلى الخير فأبوا، فلم يدع عليهم، ولم يلعنهم، على الرغم مما ناله منهم من الإساءة والأذى، بل كان يردد: "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

بعثة النبي محمد
لذلك كانت بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم للعالمين نعمة من الله عظمى، ومنة من الله كبرى، قال تعالى:( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين). أي: كانوا لا يعرفون حقاً، ولا يبطلون باطلا. فهداهم الله سبحانه بأن بعث فيهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الحق، ويأخذ بأيديهم إلى الطريق المستقيم، بالحكمة والموعظة الحسنة، عملا بقوله عز وجل:( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن). فقام عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الله تعالى على بصيرة, ويغرس فيهم الخير, وينهاهم عن كل شر، ويضع عنهم الشدة والعسر، ويقدم لهم اللين واليسر؛ قال الله تعالى عنه صلى الله عليه وسلم :( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون). أي: إنه جاء بالتيسير والسماحة، فوسع الله تعالى على هذه الأمة أمورها، وسهلها لها.

الرحمة والسعادة

عباد الله: إن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم قوامها الرحمة، وأساسها الدعوة للسعادة، فانبثق شعاع الخير للبشرية, بمولد سيد البرية، فقد عزز التلاحم المجتمعي ليسعد الأفراد، فأمر صلى الله عليه وسلم ببر الوالدين، وحسن العشرة بين الزوجين، كما أمرنا بحسن تربية الأبناء لإخراج جيل قادر على قيادة الحياة، وبحسن الجوار أوصانا، وإلى طيب الكلام دعانا، فتحققت البهجة للناس, وفتحت آفاق الأمل, وارتسمت على الوجوه البسمة، فعاش من اقتدى به في خير وهناء، قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي يعدد ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم : أمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.

صفاته
وقدم النبي صلى الله عليه وسلم أنموذجاً عملياً لذلك كله، فإن ما اتصف به صلى الله عليه وسلم من عظيم السجايا، وكريم الخصال, سطره القرآن الكريم، ثناء عليه، وتزكية لشأنه, فقال سبحانه:( وإنك لعلى خلق عظيم). أي: إنك على طبع كريم. فكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا, وأكرمهم خصالا, وأرقاهم فعالا، قيل له: يا رسول الله ادع على المشركين. فقال: "إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة".
وهذا درس راق نتعلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن نعامل الناس بأرق الكلمات، ونخاطبهم بألطف العبارات، ونحسن إليهم في المعاملات.

السلام والاطمئنان
أيها المصلون: لقد رسخ النبي صلى الله عليه وسلم ثقافة السلام ليعيش الناس باطمئنان، وليتفرغوا لتشييد حضارتهم، وبناء إنجازاتهم، فكان صلى الله عليه وسلم يقول:"والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله".
وحرص صلى الله عليه وسلم على إتمام صلح الحديبية مع ما فيه من شروط مجحفة، وبنود جائرة، إقرارا للسلام، وعندما نقض أهل مكة العهد، وخالفوا شروط الصلح، وروعوا الآمنين، واعتدوا على المسالمين، وقتلوا الرجال والأطفال؛ هب النبي صلى الله عليه وسلم لنصرة المظلومين، وإغاثة الملهوفين، ولم يبال بما قد يقدم في سبيل ذلك من تضحيات غالية أو شهداء أعزاء، فكافأه الله عز وجل، فكان ذلك فتحا مبينا لمكة، قال تعالى:( إنا فتحنا لك فتحا مبينا).

وإن دولة الإمارات اليوم حين لبت نداء اليمن الشقيق، وهبت لنصرته ووقفت إلى جانبه، فإنها تنطلق من منظور شرعي، واتباع للنبي صلى الله عليه وسلم وأداء لواجب إنساني، فإن شيمنا الأصيلة تأبى أن تقر الظلم، وترفض السكوت عن إحقاق الحق مهما بذلت في سبيل ذلك من تضحيات عظيمة ودماء زكية.

الخطبة الثانية
أيها المسلمون: إن تقوى الله عز وجل سبب كل خير، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم طريق السعادة، وسبيل الهداية، قال تعالى:( وإن تطيعوه تهتدوا). فطاعته صلى الله عليه وسلم تعبير صادق عن محبة الله تعالى ومحبته صلى الله عليه وسلم ، قال سبحانه:( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم). أي: باتباعكم للرسول صلى الله عليه وسلم يحصل لكم المغفرة والخير.

ومن السنة أن نكثر من الصلاة والسلام عليه، وخاصة يوم الجمعة، قال صلى الله عليه وسلم :"إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي". وقال صلى الله عليه وسلم :"من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات".