نشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 25 ديسمبر(تشرين الأول)، تحت عنوان "التحالف على الخير".

تناولت خطبة الجمعة الأولى الحديث عن أهمية التعاون على البر و الخير في الإسلام لما فيه من تحقيق لغايات كريمة، ومقاصد عظيمة، وحل لمشكلات عديدة، وأظهرت مواضع التعاون وآثاره على الفرد والمجتمع، فيما ذكرت الخطبة الثانية بأهمية التحالف الإسلامي الذي شاركت فيه أغلب الدول الإسلامية، واعتبرته خطوة رائدة غير مسبوقة في التاريخ المعاصر، ورأت فيه تمكيناً للحق ونصرة للمظلوم.

أيها المسلمون: إن الله تعالى جعل الإنسان خليفة في الأرض، ليقيم العدل، وينشر السلام، وحثنا على التعاون فيما بيننا لتحقيق الغايات الكريمة، والمقاصد العظيمة، وإقرار الخير والأمان، وردع الظلم والعدوان، فقال عز وجل:( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان). فحث الله سبحانه على التعاون على البر، وقرنه بالتقوى، لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته، وعمت نعمته، والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه، منها: أن يكون المسلمون مجتمعين كاليد الواحدة لرد المتعدين.

عبر ودروس

فنعم التحالف لمعالجة المشكلات، والتغلب على التحديات، وكف المعتدين، ورفع الظلم عن المظلومين، ولقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعثته حلفا تداعت إليه قبائل من قريش، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه، حتى ترد عليه مظلمته، وسمي بحلف الفضول.

وأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على هذا التحالف فقال: "قد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا، ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت"، وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب.

رد الحق
كما مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم كل حلف يقوم على رد الحق لأصحابه، فقال: "أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة". قال القرطبي: لأنه موافق للشرع؛ إذ أمر بالانتصاف من الظالم، فأما ما كان من عهودهم الباطلة على الظلم والغارات؛ فقد هدمه الإسلام.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتوانى عن نصرة المظلوم دون النظر إلى دينه أو عرقه: فقد ورد في السيرة النبوية أنه قدم رجل بإبل له إلى مكة، فاشتراها منه أبو جهل، فمطله بأثمانها، فأقبل الرجل حتى وقف على مجلس قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد، فقال: يا معشر قريش من رجل يعينني على أبي الحكم، فإني غريب وابن سبيل، وقد غلبني على حقي. فقال أهل المجلس: ترى ذلك يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب إليه؛ فهو يعينك عليه. فأقبل الرجل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقام معه، حتى جاء أبا جهل؛ فقال له: أعط هذا الرجل حقه. فأعطاه، فقال الرجل لمجلس قريش: جزاه الله خيرا، فقد أخذت الذي لى.

حقوق المسلم

عباد الله: إن للمسلم على المسلم حقوقاً منها: نصرته، ودفع الضر عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم :"المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه". ومعنى لا يسلمه أي: لا يتركه مع من يؤذيه؛ بل ينصره ويدفع عنه. فمن أفضل أوجه التعاون على الخير وأهمها: التحالف نصرة للمستضعفين، وإغاثة للملهوفين، قياما بحقهم، ودفاعا عنهم، ونهوضا بواجبنا نحوهم، وحفظا لمصالح الناس أجمعين، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم :"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا".

فوائد التحالف
أيها المسلمون: إن للاجتماع والتحالف على الحق والخير فوائد عظيمة، ومنافع كثيرة، فهو سبب للفوز والقوة، والسعادة والعزة، في الدنيا والآخرة؛ لأنه من التواصي بالحق الذي أمرنا الله سبحانه به فقال:( والعصر* إن الإنسان لفي خسر* إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).

ومن منافعه أن الله تعالى يرد به عدوان المعتدين، قال سبحانه:( وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين). فبالاجتماع على الخير لا يجد الشر مسلكا، ولا الإجرام منفذا، ولا يزداد الباطل إلا زهوقا، وإن التحالف لنشر الأمان من أوجب الواجبات، وألزم الضرورات التي يفرضها الشرع الحنيف، لأن الإسلام جاء ليدل الناس على أسباب السعادة، ويبشر المحسنين بجنة الخلد وزيادة، قال الله تعالى:( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون). وأفضل ما يتنعم به أهل الجنة وأعلاه: النظر إلى وجه الله الكريم. وأنذر الله تعالى المفسدين المجرمين الذين يعتدون على عباده، وينتهكون محارمه بعذاب أليم، فقال سبحانه:( إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى).

إحلال الخير
أيها المصلون: إن على المسلم أن يشارك في إحلال الخير والسلام، ويساند الحاكم في نصر المظلوم، والأخذ على يد الظالم، قال البراء ابن عازب رضي الله عنهما: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع، فذكر منها ونصر المظلوم.

والمسلم يرفض كل ما يشوه الدين من عنف وتطرف، ويتحلى بالسماحة والاعتدال، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمحا رؤوفا رحيما، قال الله عز وجل:( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم). فما أجمل أن نتبع هديه، ونسلك سبيل الوسطية والاعتدال، فإنه طريق السلامة والسداد.

الخطبة الثانية

عباد الله: إن أول ما نتواصى به تقوى الله عز وجل، وأن نشكره سبحانه على ما أنعم به علينا من وحدة وتحالف، وتوافق وتآزر، يعبر عن رؤية مستنيرة ثاقبة للقيادات التي كونت التحالف الإسلامي، وانضمت إليه، للوقوف سداً منيعاً أمام ما يهدد استقرار البلدان من تطرف واعتداءات آثمة، لا تفرق بين وطن وآخر، ولا تقيم وزنا للقيم والمبادئ، والحق والعدل، فكان هذا التحالف ضرورة شرعية، وحاجة واقعية؛ لحفظ كيان الأمة في حاضرها، وحماية مقدراتها في مستقبلها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال:"تأخذ فوق يديه".

وإن التحالف الإسلامي الذي شاركت فيه أغلب الدول الإسلامية خطوة رائدة غير مسبوقة في التاريخ المعاصر، وهو نقطة تحول في مجريات الأحداث، وقد جاء ردعا للمجرمين، والبغاة المارقين، ودحرا للمتطرفين، وتمكينا للحق والدين، وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة من أول الدول الداعية إلى تضافر الجهود، وإيجاد تنسيق مشترك لاجتثاث بؤر التطرف، انطلاقاً من مبادئ شرعنا الحنيف الذي يرفض التطرف بكل صوره وأشكاله جملة وتفصيلاً.