كنت أود أن أقصر موضوعي على مؤتمر جنيف، الذي فشل حتى في بناء حوار مبدئي بين النظام السوري والمعارضة. وأن أضيف عليه مناقشة لاحتجاجات ما يطلق عليه المعارضة المدعومة من موسكو الممثلة في شخصيات، مثل قدري جميل وهيثم مناع ورندا قسيس. وبالذات تحفّظ هؤلاء الثلاثة على وجود قياديين من تنظيمات إسلامية، مثل محمد علوش وأسعد الزعبي، ضمن وفد المعارضة السورية في جنيف.
تحفّظات الثلاثة- جميل ومناع وقسيس- بُنيت على أنهم ينظرون إلى مستقبل سوريا كدولة علمانية، ووجود تنظيمات إسلامية ضمن وفد المعارضة سيكون عائقا لتأطير فكرة الدولة العلمانية. لكن، وجدت نفسي مخطوفا بتسارع الأحداث، لذا سأعود إليه لاحقاً. فلا يمكن أن يُكتب عن سوريا الآن من دون الإشارة إلى انتصارات قوات النظام في «الشيخ مسكين» قرب درعا. والأهم من ذلك انتصاراته في شمال غرب حلب وقرب نجاحه في عزل الجزء من حلب الذي يسيطر عليه الثوار، وإمكانية تحويله إلى «مضايا» كبيرة، مؤديا الى تجويع حوالي نصف مليون، بعد أن يتمكن من قطع خطوط الإمدادات الآتية من تركيا.

وقد نفخت انتصارات جيش النظام السوري بثقة وزير خارجية النظام وليد المعلم في نفسه، فبدا منتشيا أمام الكاميرات، معلقا على أخبار وردت بأن السعودية سوف ترسل جنودا لسوريا لمقاتلة «داعش»، قائلاً: «سنعيد من يعتدي على سوريا بصناديق، سواء كان سعوديا او تركيا». هذا مع أن الأخبار لم تكن من مصدر رسمي سعودي، كما أنها كانت لمحاربة «داعش» الذي يفترض فيه أنه عدوّ للنظام السوري. وقد يكون الخبر عن إرسال قوات سعودية استجابة لنداءات من أوروبا وأميركا، فهذه الدول طالما أعلنت أنها لن ترسل مقاتلين إلى سوريا، وعلى دول المنطقة أن تساهم بنفسها في التخلص من «داعش»، خاصة أن الطيران لن يكون كافيا لهزيمة هذا التنظيم.

وتعليق المعلم بأنه سيرجعهم في صناديق، يذكرنا جميعا بتصريحات مطابقة وردت على لسان طارق عزيز - وزير خارجية صدام- فيبدو أن الدعم الروسي والإيراني قد أصاب أعمدة النظام السوري بغطرسة، لن يدفعوا هم ثمنها فقط، وإنما الشعب السوري وأهل المنطقة ككل. فهذه الغطرسة ستعمل على مزيد من التأجيج الطائفي في المنطقة.

فمشاعر وقناعات الغالبية من العرب والمسلمين لن تسمح بهيمنة %12 من الشعب السوري، على أمور هذا البلد، وأن يكون ذلك على الرغم من مقتل أكثر من ربع مليون سوري، وتشريد تسعة ملايين بين الداخل والخارج. وأن يكون ذلك بدعم من إيران التي لم يبق لديها إلا القليلون في الجانب العربي. أو من روسيا التي أصبحت عدواً للعرب والمسلمين.

إنه من المحزن والمأساوي أن تأخذنا انتصارات النظام السوري الأخيرة في حلب إلى أتون حروب طائفية أكبر، فدول الخليج والسعودية، لها تأثير يفوق قدراتها العسكرية. فلها تأثير في تشكيل عواطف وقناعات الملايين من المسلمين. فماذا لو تم استئناف الدعوة إلى الجهاد في سوريا من فوق المنابر، وتم تسهيله؟!

الأمر خطير ليس على سوريا فقط، وإنما علينا جميعا. لذا أن يكون مصير المعلم كمصير طارق عزيز أقل كلفة علينا نحن العرب والمسلمين.
إن اصرار ايران ودعم روسيا اللامحدود على هيمنة نظام الأقلية في سوريا لا يمكن أن يقبل به غالبية العرب والمسلمين. وفي أسوأ الأحوال يمكن أن تتفشّى حروب طائفية، خالقة جهنم على وجه الأرض، وقودها المسلمون أنفسهم!