ثمَّة قضية كبرى سنجدها في خطاب التنويريين العرب الأوائل منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين هي "السفور والحجاب"، وعلى طريقة تداعي الأفكار يتداعى إلى ذاكرتنا كتابا قاسم أمين الإشكاليان جداً "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة"، والسجال الذي أثاره هذان الكتابان خاصة في مصر رغم أن أميناً لم يقصد بالسفور سوى كشف غطاء الوجه عن المرأة العربية المسلمة ولم يدعُ لنزع الخمار عنها. إذن أُسيء تأويل ما عناه قاسم أمين واستمرَّ ذلك التأويل المغلوط عنه حقبة طويلة من الزمن عند من لم يقرأه بصورة جيدة أو من اكتفى بمجرد السماع عن كتاب لم يقرأه مطلقاً! واكتفى بصب اللعنات التاريخية على منشئه! وللأمانة التاريخية لا بدَّ أن نوثق الحضور الثقافي السجالي لكوكبة من النساء العربيات النهضويات مثل ملك حفني ناصف ومي زيادة وسلمى صايغ ووردة اليازجي ومريانا المرّاش وماري عجمي وعائشة التيمورية وزينب فوّاز، وغيرهن من أسماء تنويرية سأضيف إليها اسمين تنويريين هما نظيرة زين الدين وأبكار السقاف المفكرة العربية الحضرمية، وكلا هذين الاسمين لم يحظَ بالعناية البحثية التي تليق إلا في كتابات بحثية نادرة للأسف. سأتكلم اليوم عن نظيرة زين الدين وفي مقال قادم سأتحدث بالتفصيل عن أبكار السقّاف ومشروعها التنويري.

ألفت نظيرة زين الدين الفتاة كتابيها "السفور والحجاب" و"الفتاة والشيوخ"، وهي لاتزال ابنة الحادية والعشرين عاماً في مجتمع لايزال رغم بنيته التحديثية التنويرية تسيطر عليه تقليدية ذكورية راسخة من الإرث العثمانيّ. سأوجز بلمحات دالة أهمية مشروع نظيرة زين الدين في كتابيها هذين، وسأستخدم تجاوزاً كلمة "مشروع" رغم أنها لم تكمل مشوارها التنويري بعد ذلك واكتفت بكونها زوجة ثم أماً وضاع اسمها وأصبح كتاباها في حكم المغيّب والمنسي ولم يكشف عنهما إلا مؤخراً بعد إعادة طبعهما بعد سبعين عاماً!

تأتي أهمية كتابي نظيرة زين الدين "السفور والحجاب" 1928 و"الفتاة والشيوخ" 1929 في كونهما صادرين عن الخطاب التنويري العربيّ النهضويّ، ويندرجان كذلك بوصفهما من الكتب الأولى المؤسِّسة لمشروع الحداثة العربية بكتابة امرأة وبصوتها وليس بكتابة رجل وصوته. وتأتي أهميتهما كذلك من طبيعة الخطاب الجماهيري الموجَّه في كتابي نظيرة زين الدين والقائم على استثمار آليات التلقي والتأويل و آليات الخطاب السجاليّ لسيرة "الحجاب والسفور" التي لا تزال تشكّل موضوعاً راهناً في غاية الأهمية.

إنَّ كتابي "السفور والحجاب" و"الفتاة والشيوخ" هما كتابان سجاليان في الأساس ويتفوقان في هذه الخاصية على أي كتاب قديم أو حديث صُنِفَ في خطاب المرأة وقضاياها منذ إصدارات الفكر التنويري إلى يومنا هذا. وبسبب هذه الخاصية السجالية فإنَّ الكتاب الأول "السفور والحجاب" قد تضمن في جزئه الثالث والأخير المعارضات والردود على ما جاء فيه، وما أوردته الكاتبة التي لم تكتفِ بهذا الجزء إذ يبدو أن الجدل والمعارضة كانت كبيرة جداً واحتاجت إلى كتاب آخر هو "الفتاة والشيوخ" لاستغراق تلك الضجة التي أُثيرت! والجدير بالذكر أنَّ الكاتبة تلقت تهديدات بالقتل وتلقت في المقابل احتفاء بها من جانب بعض النهضويين العرب آنذاك!

يُحسب لنظيرة زين الدين وهي ابنة العشرين عامًا جرأتها العلمية في تأويل بعض الآيات القرآنية الكريمة التي جاءت فيها أحكام عن المرأة، وفي اجتهادها الخاص كذلك بتأويل بعض الأحاديث النبوية. وسننتظر طويلاً حتى تنبري امرأة أخرى باحثة في أواخر الثمانينات من القرن الماضي وهي فاطمة المرنيسي لتأويل آيتي الحجاب مما سيثير مرة أخرى جدلًا فكريًا كبيرًا ومؤثرًاً لا تزال أصداؤه حاضرة حتى الآن في مشهدنا الفكري والثقافي.

قدَّمتْ نظيرة زين الدين في كتابيها "السفور والحجاب" و"الفتاة والشيوخ" أطروحة متميزة وظَّفت العقل والنقل وآليات الحجاج العقلي والسجال الفكري بخصوص مفهومي "الحجاب" و"السفور" . وكانت صاحبة الكتابين ذات نفس طويل في السجال والجدل مما يجعلها بحق مفكرة نهضوية رائدة بغض النظر عن اتفاقنا معها أو اختلافنا عنها فيما تناولت وعرضت واستقصت. ومهما يكن من أمر الإقصاء والتهميش العنيف الذي آل إليه الكتابان والذي جاء بفعل انتكاسة المشاريع الوطنية التحررية في العشرينات فإنَّ الكتابين يستحقان وتستحق صاحبتهما الدراسة بوصفهما مشروعاً تنويرياً اجتهادياً حاولت صاحبته مقاربة القرآن والسنة مقاربة تأويلية مهما اختلفت الآراء بشأن ذلك التأويل وتلك القراءة. إَّن مثل هذه الأطروحات النسوية النهضوية كانت تُساءل وتُساجل بحثًا عن تأويل ما، ولم يكن غرضها غير مساءلة الحقيقة ومحاولة الإجابة عن أسئلة تخص المرأة العربية المسلمة في إسلام وسطي بعيدًا عن فتاوى القتل وإهدار الدماء والتكفير والتعنيف لمن يزجون أنفسهم زورًا وبهتانًا بوصفهم يحتكرون المعرفة المطلقة عن الإسلام في هذه المنطقة المحرَّمة الشائكة؛ أعني منطقة المرأة العربية المسلمة والإسلام منهم براء! إنّنا بحاجة إلى قراءة هذا الإرث التنويري النسوي لمعرفة أسباب نكوصه بعد فترة من الزمن. وهناك سؤال كبير بهذا الخصوص ما الذي حلَّ بهذه الشابة المفكرة التنويرية حتى تصل إلى مرحلة من الصمت الكتابي الأدبي ولا يبقى لنا من إرثها سوى هذين الكتابين اليتيمين؟ ماذا حدث؟!