حسن خضر
مصر، والصراع على هوية الدولة..!!
تحتدم في مصر، هذه الأيام، مجابهة سافرة بين العاملين في الحقل الثقافي، ووزير الثقافة الجديد في حكومة الإخوان. وعلى الرغم من حقيقة أن البلاد تشهد مجابهات مختلفة، ربما كانت المشكلة مع الوزير الجديد، أقلها صلة بالمشاغل اليومية للمواطنين، إلا أن ارتباطها بهذه الفئة الاجتماعية يضفي عليها أهمية خاصة، لما للحقل الثقافي نفسه من خصوصية، تتجلى في العلاقة العضوية بين الثقافة ومشروع الدولة/الأمة.
الحقل الثقافي مفهوم واسع، يضم العديد من المهن الأدبية والفنية، السمعية منها، والكتابية، والبصرية، ويشمل حقولاً فرعية: الأدب، والنقد، والصحافة، والمسرح، والسينما، والتصوير، والرقص، والغناء، والموسيقى، والرسم، والنحت، والتمثيل، والرياضة، والعمارة، والعلوم الاجتماعية. هذا، إلى جانب حقول فرعية لمهن مساعدة: النشر، والأكاديميات والمعاهد، والنوادي، والمؤسسات الإعلامية، والإعلانية، والفرق، والنقابات المهنية، وأجهزة الدولة، والمنظمات غير الحكومية، ذات الصلة.
ولهذا الحقل، بالذات، أهمية خاصة في مجتمعات ودول القوميات الرومانسية (ومنها العربية، والألمانية، والفرنسية، والإيطالية، والروسية. الخ) ولا يحظى بالمكانة نفسها في الولايات المتحدة، وبريطانيا، مثلاً، وكلتاهما تمثل دولة/أمة تستمد مقومات هويتها القومية من الحدود السياسية لإقليمها الخاص. وهذا ما يفسر المكانة الاستثنائية للمثقفين، وفكرة الثقافة عموماً لدى المجموعة الأولى، مقارنة بمكانة المثقفين، والثقافة، في الثقافة الأنجلوـ سكسونية.
على أية حال، للقوميات الرومانسية، هنا، دلالة مغايرة، لتلك المألوفة في الأدب. وفي القلب منها استنباط علاقة خاصة، تكاد تكون ميتافيزيقية، بين "الأمة"، وإقليمها، وتاريخها، ولغتها. وهي العناصر التي لعبت دور الروافع الأيديولوجية، في لحظة صعود القوميات الأوروبية، لتوحيد مقاطعات، وإقطاعيات، وممالك صغيرة، في دولة/ أمة.
كما ولعبت دوراً مشابهاً، ولكن أكثر حدة، في المشاريع الدولانية لحركات التحرر القومي في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. لم تأخذ الحركة القومية على عاتقها، في مناطق خضعت للكولونيالية الغربية، مسؤولية إحياء اللغة، والثقافة المحلية، والتاريخ، وتأكيد العلاقة بالإقليم وحسب، بل وظفت كل تلك الأشياء للتدليل على حقها في الاستقلال، وجدارة مشروعها لبناء دولتها القومية، أيضاً.
وإذا كان في هذا ما يفسر خصوصية الثقافة، والمثقفين في تلك البلدان، فإن فيه ما يفسر، أيضاً، خصوصية العلاقة بين الثقافة ومشروع الدولة الحديثة. وبقدر ما يتعلّق الأمر بمصر، فهي من وسائل الإيضاح المفيدة، في هذا الصدد، إذ يعيد المؤرخون لحظة ميلاد دولتها الحديثة إلى أوائل القرن التاسع عشر.
وتُرصد ملامحها الأولى في بعثات محمد علي التعليمية إلى أوروبا، وما رافقها وأعقبها من تشجيع، وتمويل، وإنشاء لبنى تحتية، ومهن رئيسة ومساعدة، كانت بمثابة الحاضنة الطبيعية لنشوء الحقل الثقافي المصري، الذي سرعان ما أصبحت مصر بفضله مركز إشعاع في المنطقة العربية، وفي الشرق الأوسط، ورائدة للحداثة والتحديث والتنوير.
وعلى الرغم من حقيقة أن مصر عرفت نظامين مختلفين هما الملكي الوراثي، والجمهوري الراديكالي، وصعدت إلى سدة الحكم فيها طبقات اجتماعية متلاحقة، وعاشت تحوّلات ديمغرافية وسياسية هائلة على مدار قرنين من الزمن، إلا أن الصراع في الحقل الثقافي وعليه، لم يكن صراعاً على هوية الدولة، بقدر ما كان على هوية النظام.
وهذا ما لا يبدو عليه الوضع منذ صعود الإخوان إلى سدة الحكم. ثمة ما يكفي من الشواهد، والمخاوف، والشكوك، للقول إن ما تشهده مصر، من مجابهات يحيل إلى صراع أبعد من النظام، وأقرب إلى هوية الدولة.
لا يتسع المجال، هنا، لرصد مختلف الشواهد، والمخاوف، والشكوك وتجلياتها. لذا، وللقبض على الثور من قرنيه، كما يُقال، ينبغي العودة بأسباب المجابهة إلى فرضية أساسية، ربما تقوم مقام النص الغائب في كل ما يجري، وتتمثل في التناقض بين مشروع، أو مفهوم، أو تصوّر، الإسلام السياسي للدولة الحديثة من ناحية، ومفهوم الدولة/ الأمة من ناحية أخرى.
من الثابت لدى أغلب المؤرخين أن ظهور حركة الإخوان المسلمين في مصر، كان، ضمن أمور أخرى، جزءاً من الهزات الارتدادية الناجمة عن سقوط دولة الخلافة العثمانية. والواقع أن الإخوان، وغيرهم من ممثلي الإسلام السياسي، لم يترددوا في الماضي، أو الحاضر، في الكلام عن الخلافة باعتبارها أعلى مراحل المشروع الإسلامي.
لاستنباط ما يبرر نقد ونقض فكرة الدولة القومية الحديثة، أو الدولة/ الأمة (وكلاهما متداول في علوم السياسة والاجتماع)، وتسليح النموذج النقيض بدلالات فكرية، ولاهوتية، طرح الإسلام السياسي فكرتين هما "الحاكمية" و"الجاهلية". وكلتاهما تمثل البطانة السياسية للمشروع، وعليهما تقوم عمارته الأيديولوجية. فالأولى تقوّض مفهوم الشرعية ومصادرها في الدولة/ الأمة، بينما تبرهن الثانية على كراهية تكاد تكون عضوية وعُصابية للثقافة.
في الحالتين، تطرح الفكرتان تصوّراً جديداً، ومغايراً، لعلاقة الثقافة بالدولة الحديثة. وهذا يعني، ضمن أمور أخرى، إعادة النظر في تعريف الأمة، والإقليم، والثقافة، والتاريخ، ما يعني إلغاء الحقل الثقافي، الذي يُرى باعتباره من تجليات "الجاهلية"، واختزال وظيفته في التربية، والإصلاح، والتهذيب، واقتراح هوية بديلة للدولة.
"الحاكمية" مشروطة "بالتمكين"، أي بموازين القوى على الأرض. بيد أن مشاغلة الجاهلية بضربات جانبية، وتحت الحزام، تحتاج إلى شروط أقل تشدداً، وتندرج في باب التدرّج، أي القضم التدريجي.
لذا، عندما يصاب مثقفون في مصر بالذعر من احتمال إلغاء فن الباليه، مثلاً، الذي يصفه إسلاميون بالفن الهابط، وغير الضروري، والعاري، وعندما يوّقع أبرز العاملين في الحقل الثقافي المصري، على عرائض تدعو إلى إقالة الوزير الجديد، وتشتعل حرب صغيرة، وساخنة، على جبهة الثقافة، لن يتجلى المعنى الحقيقي لأحداث كهذه، ما لم توضع تحت عنوان عريض اسمه: الصراع على هوية الدولة.